الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٥٦ - باب التمييز بين الرجاء و الغرة
مع تضييعهم لطاعة ربّهم عز و جل، كما قال ربنا عز و جل: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[١].
قال البراء بن عازب: هو الرجل يذنب الذنب العظيم فيقول: لا يغفر لى[٢]، فيمسك عن النفقة فى سبيل اللّه عز و جل، فنهوا عن ذلك.
فإذا ذكّر نفسه العقاب عند الذنوب، تخويفا لها، ليتوب من الذنوب، و ذكّرها الرجاء عند التوبة، ليردع نفسه عن القنوط، و تسخو بالتوبة لرجاء المغفرة عند اعتراض القنوط القاطع عن العمل أنه لا يتقبل منه، فرجا القبول و غفران الذنوب، فسخا بالتوبة نفسا، و بالعمل لرجاء الرحمة و العفو و الصفح و التجاوز، فقد وضع الخوف و الرجاء بالموضع الذى وضعهما اللّه عز و جل به، و أدب نفسه بأدب اللّه عز و جل فى كتابه، و لم يغتر و لم يقنط من رحمة ربه عز و جل.
و من قلب هذين المعنيين من الخوف و الرجاء، و ذكر الرجاء عند الذنوب، و نسى الخوف و الحذر، فطيب نفسه بذكر الرجاء، فقل خوفه و زال حذره، فأقام على المعاصى متمنيا، فذلك المغتر باللّه عزّ و جلّ، المتأدب بغير أدبه، و الواضع الرجاء فى غير موضعه، و التارك لاستعمال الخوف فى موضعه عند الحاجة إليه، فهذه صفة المغترين من العاصين الموحدين.
و إنما مثله فى ذلك مثل عبد له مولى، إذا عاقب مملوكه عاقبه بأشد العقوبة و أعظمها، و هو مع ذلك رحيم عظيم الرحمة، يعفو كثيرا، و يعاقب فيبالغ فى
[١] - البقرة: ١٩٥.
[٢] - صححه الحاكم على شرط الشيخين فى المستدرك ٢/ ٢٧٦ و وافقه الذهبى، و عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٢٠٨ إلى وكيع و سفيان بن عيينة و الفريابى و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبى حاتم و البيهقى.