الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٣٠ - باب ما يجب من التواضع للمطيعين و العاصين لينفي به العجب و الكبر
طول عمرك فلا تفارقه، كما لا تقدر أن تفارق نفسك، و لا تطلع على سرائره و ضميره كاطلاعك على سرائر نفسك و ضميرها، فذنوبك عندك أكثر من ذنوب غيرك.
فأما العظم فقد يظهر لك من غيرك ذنوب عظيمة كالقتل و السرقة و الزنا و غيره من غيرك، فقد يكون بعض ما ظهر لك ذلك منه ليس عنده من المعرفة و العلم ما عندك. فالحجة عليك أعظم منها عليه، و الحساب عليك فى سؤال القيامة بالعلم أشدّ، فأنت تخاف على نفسك العذاب، على قدر تضييعك مع العلم و المعرفة، فتنفى عنك الكبر بذلك.
و قد يكون لبعض من ظهر لك ذلك منه من العلم ما لك أو أكثر، و قد ظهر لك من الذنوب أعظم مما أتيت به، فهو أعظم عصيانا منك.
فهذا الذى سألت عنه، إن عقلت و أردت التمييز بين الغضب للّه عز و جل و النّجاة من العجب و الكبر.
فالذى عليك فيه: أن تعرف نعمة اللّه عز و جل عليك، إذ عصمك من مثل عمله، و تغضب للّه عز و جل و تجانبه و تجفوه، غضبا لربك تعالى، فلا تنس الخوف على نفسك حتى ترى أنك ناج و أنه هالك دونك، و أنت لا تدرى بم يختم لك، و لا بما يختم له و إنما وكّلت بالخوف على نفسك من ذنبك، و لم توكّل بالخوف عليه من ذنبه، إلا من طريق الإشفاق عليه، فأما ما ندبت إليه، و وجب عليك: أن تخاف اللّه عز و جل و ترهبه و تتوب إليه، و تخاف ألا يقبل منك صالح عملك، لما سلف من ذنوبك، و لما تخاف أن يكون قد دخل عليك فى عملك من الآفات التى تفسده، و أن تخاف من سوء عواقب الخاتمة، و سابق العلم فيك، فإنما أمرت و وجب عليك الخوف على