الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٣٢ - باب ما يجب من التواضع للمطيعين و العاصين لينفي به العجب و الكبر
حقا أو تؤدى إليه حقا أوجبه اللّه عز و جل له عليك، و قد قطع قلبك عليه بالهلاك، و غلب عليك النجاة لك، فحينئذ قد تكبرت عليه و أعجبت بنفسك، كما صنع عابد بنى إسرائيل بخليعهم.
فلا تدع ذكر النّعمة التى بها فضّلت، و لا مجانبة الفاسقين، و لا تنس سالف ذنوبك، و عظيم الحجة عليك فى علمك و عملك للّه عز و جل و معرفتك، و بم يختم لك، خائفا أن يختم لك بشر الأعمال، و أن تكون عند اللّه عزّ و جل فى علمه شقيا، فقد عظم خطرك، و فى ذلك شغل لك عن الكبر على غيرك، و لا تأنف أن تقبل الحق منه، و لا أن تؤدى الحقّ إليه إن كان قرابة أو غيره.
قلت: فأنا لا أدرى بم يختم له.
قال: أجل، و إنما وكّلت بالخوف على نفسك، و الإشفاق من سوء الخاتمة لعملك، و لو ختم لك و له بأعمال أهل النار فدخلتما جميعا النار ما كان لك فى الخوف عليه راحة و لا فرح، فالغمّ لنفسك و الحذر عليها أولى بك فى الدنيا و الآخرة، لأنه لو كانت بك قرحة تضرب عليك، و بغيرك أكلة[١]، كنت لما بك من القرحة أشدّ غما و هما منك لغيرك.
فمن كان عندك مستورا أو مهتوكا بدون[٢] ما عندك به، فقد تبين لك أنه خير منك، و من كان عندك مهتوكا بأعظم مما عندك به، ففى ما عندك شغل عن الفراغ لحقريته و ازدرائه و الخوف عليه، و خوف سوء الخاتمة على نفسك
[١] - القرحة: الجرح بالجلد، و الأكلة: الداء الذى يأكل العبد، أو يأكل أطرافه. و مراد المصنف أن الإنسان يهتم بألمه اليسير دون ألم غيره العظيم، و هذا أمر مشاهد معلوم.
[٢] - بدون: يعنى بأقل و أيسر.