الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٣٤ - باب ما يجب من التواضع للمطيعين و العاصين لينفي به العجب و الكبر
فلا يأمن ألا يكون سلم فيما أظهر من الطاعة أن يكون قد دخلها من الآفات ما يحبطها.
ثم قال: فحينئذ كمل العقل و ساد أهل زمانه[١].
و صدق، لأنه يتواضع لهما جميعا بقلبه، مقرا معترفا أن من لم يبد منه أعظم مما يعرف من نفسه، فهو خائف على نفسه الهلاك و أن يختم له بشر من عمله، أو لعله لم يتقبل له حسنة، و أنه عند اللّه عز و جل شرّ منه مما سلف من ذنوبه، و لعله يختم له بشر الأعمال، فهو متواضع للفريقين جميعا، غير متكبر على واحد منهما، غير تارك للغضب للّه عز و جل و المجانبة لمن أمر بمجانبته و الغضب عليه، إذ لم ينس الخوف على نفسه، خائف أن العذاب واصل إليه، و لعله شرّ من يرى و سينجو و يختم له بخير الأعمال.
ألا ترى إلى حديث: أن عابدا كان يتعبّد فى جبل، فأتى فى النوم فقيل له:
ايت فلانا الإسكاف[٢] فاسأله أن يدعو لك، فأتاه فسأله عن عمله، فأخبره أنه يصوم النهار، و يتكسّب، فيتصدق ببعضه، و يطعم عياله ببعضه، فرجع و هو يقول: إن هذا لحسن، فأما كالتفرغ لطاعة اللّه عز و جل فلا. فأتى فى النوم فقيل له: ايت الإسكاف، فاسأله، فقل له: ما هذا الصفار فى وجهك؟ فأتاه فسأله، فقال له الإسكاف: ما رفع لى أحد من الناس إلا ظننت أنه سينجو و أهلك أنا، فقال له العابد: بهذه نجوت.
[١] - أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٤/ ٤٠، ٤١.
[٢] - الإسكاف: يقال إن كل صانع عند العرب يقال له: إسكاف، و هو يطلق على صانع الأحذية و الذى يصلحها، و أسكفة الباب: عتبته التى توطأ من أسفل.