الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٣٥ - باب ما يجب من التواضع للمطيعين و العاصين لينفي به العجب و الكبر
و بهذا وصفهم اللّه عز و جل، فقال: يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ[١] و قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ[٢].
و لم يصفهم بالإشفاق و الخوف على غيرهم. و هل يبلغ أحد من البراءة من الذنوب، و دوام الدّءوب و الاجتهاد- بغير فترة و لا سآمة[٣]- ما بلغت الملائكة؟
و قد أخبرنا اللّه عنهم أنهم يسبحون الليل و النهار لا يفترون، و أنهم من خشية ربهم مشفقون[٤].
فمتى زايل الإشفاق و الوجل قلبك و نظرت إلى غيرك بالازدراء، و الحقرية و الأنفة منه، و أنك خير منه، من غير حذر و لا خوف لسوء العاقبة، و سابق العلم، أو رددت عليه حقّا أنفا أن تقبل منه، أو منعته حقا يجب له عليك، كصلة رحم و غيره، أنفا أن تأتيه أو تعلم أنه لك قريب، ازدراء به و أنفا منه، فقد[٥] تكبّرت عليه.
و متى ذكرت نعمة اللّه عز و جل، التى عصمك بها مما أتى غيرك من الذنوب، و أنت غير تارك للوجل و الإشفاق، خائف على نفسك، لا تقطع لك بالنجاة و عليه بالهلاك، و أنت مع ذلك غضبان للّه عز و جل، مجانب له، فقد نجوت من الكبر، و قمت بما أمرت فيه، و لم تنس النعمة عليك.
[١] - المؤمنون: ٦٠.
[٢] - المؤمنون: ٥٧.
[٣] - الفترة، و السآمة: الفتور و التراخى و الملل.
[٤] - انظر الآيات ١٩- ٢٨ من سورة الأنبياء.
[٥] - جواب الشرط فى قوله:« فمتى زايل ...».