الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٢٤ - باب ما يكسر به دواعي الرياء و الحمد و الطمع
و أما الطمع لما في أيديهم فإنه لم ينل ما لم يقدّر له، و إن كان نال شيئا فإنما نال ما قدّر له ما لو كان أخلص عبادة ربّه لنال ما نال لا محالة، فأحبط عمله و تعرّض لمقت ربّه و حرمان ثوابه، من غير ازدياد في رزق و لا أجل، و لا اجترار منفعة في دين أو دنيا على ما قدر له، فكيف لا يزهد عاقل فيما يضره في الدنيا و الآخرة بغير اجترار منفعة في دنياه؟[١].
و أما المذمّة فإنه لا ينزل به من البلاء ما لم يقدّر له، و لن يناله من الذم ما لم يقدّر و لا يناله من الذم إلا ما لو أخلص لكان ذلك الذمّ حمدا، و لعله قدّر أن يلقى كذبه في قلوبهم فيذمّوه إذ فرّ من ذمّهم، و لا يصرف مخافة ذمهم شيئا من العاقبة و الرزق، و لا يقطع من الأجل ما قدّره الرحمن جلّ و عزّ، فحبط عمله من غير دفع مكروه من البلاء و لا زوال محذور من المقدور، و ما لم يقدّر فليس بمصيبه أبدا[٢].
فكيف لا يزهد عاقل في هذه الخلال الثلاث إذا عرف ضرهنّ، و لا ينال منفعة في دنياه بشىء منهنّ، و أن أمر اللّه مفروغ منه، و أن هذه الخلال الثلاث خدعة و غرور، تضر الضرر الأكبر و لا تنفع في شىء من الأشياء، فإذا عقل العبد هذا كما وصفت له: أنه يحبط عمله، و يبطل أجره، و تشّتّت همومه، و يتعرض لمقت ربّه عزّ و جلّ، و يحجب قلبه عن الخير من عند اللّه عزّ و جلّ، من غير زيادة منفعة و لا دفع مضرّة، زهد في هذه الخلال الثلاث و لم يعتقدهنّ،
[١] - قال أبو واقد الليثي رضي اللّه عنه:« تابعنا الأعمال أيها أفضل، فلم نجد شيئا أعون على طلب الآخرة من الزهد في الدنيا»( مصنف ابن أبي شيبة( ١٦٤٧٢) و غريب الحديث لأبي عبيد( ٤/ ١٧٢)
[٢] - يعني أن ما لم يقدره اللّه لا يمكن أن يحدث أبدا، فإذا لم يقدر لك الخير فلا يمكن أبدا أن يأتيك الخير، و إذا لم يقدر لك البلاء، فلا يمكن أبدا أن ينزل بك البلاء.