الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٥٠ - باب معرفة قوة الإخلاص على منازعة النفس عند العارض و النفي له
مهما دام حجز العبد عن القبول منه. فكيف يكون من يحذره قد نقص توكّله، و حذره عصمة من اللّه عز و جل على العبد فيها أعظم النعم؟ فكيف يكون من خاف ما خوّف اللّه عز و جل تاركا لأمر اللّه؟ و كيف و الحذر هو الذي جعله في النجاة من كل ما كره اللّه عز و جل؟ و إنما يركن العبد إلى ما كره اللّه عز و جل إذا ترك الحذر مما حذر اللّه.
فالحذر لما حذر اللّه منه العبد: أن يحذر العبد أن يترك الحذر مما حذر منه، فيكون مضيّعا لأمره. و ضدّ الحذر: الأمن و الغفلة، و الأمن و الغفلة: ترك القيام بما أمر اللّه. و لكن اتبعوا أمر اللّه عز و جل بذلك، فكان حذرهم اتباعا لأمره من توفيق اللّه لهم؛ لا حذرا لإبليس أنه يضر أو ينفع، و لكن يطيعون ربهم كما أمرهم، و ذلك كما أمر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بصلاة الخوف، و أمره أن يأخذ حذره من عدوه هو و المؤمنون، فقال عز من قائل: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ[١].
و ظاهر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بين درعين[٢]، و حمل المؤمنون التّرسة[٣] و لبسوا ما يحصنهم، و أقام النبي صلّى اللّه عليه و سلّم من يحرسهم في صلاته، و حفر الخندق فتحصن به شهرا، لا ينقصه ذلك و لا المؤمنين من يقينهم و لا توكّلهم؛ لعلمهم أنه لا يكون إلّا ما قدر و لا يشغلهم عنه ذلك، و لكن اتباعا لأمره و اشتغالا بما أحب و أراد.
[١] - الأنفال: ٦٠.
[٢] - كان ذلك يوم أحد، على ما رواه السائب بن يزيد، و أخرجه أحمد ٣/ ٤٤٩، و ابن ماجة في الجهاد ٢/ ٩٣٨( ٢٨٠٦) و قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح على شرط البخاري. و أخرجه أبو داود في الجهاد ٣/ ٣١، ٣٢( ٢٥٩٠) عن السائب عن رجل قد سماه.
[٣] - التّرسة: جمع ترس، و يجمع أيضا على أتراس، و تراس، و تروس. و التّرس: كل ما يستتر به، و يطلق على ما يتقى الجنود به ضرب الأعداء.