الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٤٨ - باب معرفة قوة الإخلاص على منازعة النفس عند العارض و النفي له
فلو كان اللّه عز و جل يحب الأمن منه لأحد و يزيل الحذر عنه لأحبّه لهما و أزاله عنهما في جنّته، و ليس لهما فتنة و لا شىء نهيا عنه إلا شجرة واحدة، فكيف بنا في فتن لا تحصى في القلب و الجوارح، و ما لا يحصى من ملاذّ الدنيا و شهواتها؟ فما زال بهما حتى أخرجهما من جوار ربهما! فمن يأمن عدو اللّه بعدهما إذ أزالهما في الدار التي لم يمتحنا فيها إلا بواحدة، فكيف في دار المحن و البلوى و الفتن و البلاء؟
و قال موسى صلّى اللّه عليه و سلم: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ[١] فحذرنا اللّه عز و جل في غير موضع في كتابه من الاشتغال به و من حبه، و اتباع أمره، و أن يحذر ما حذّر منه. فالأمن منه غرور، و ترك لأمر اللّه عز و جل. فمستوجب من أمنه و ضيّع ما أمره اللّه عز و جل به من حذره أن يسلطه عليه، ثم لا يعصمه منه؛ عقوبة لتضييعه أمره، و كيف يؤمن من لم ينج منه الأقوياء؟ فأمان الضعفاء له غرّة و خدعة مع تضييع الأمر من المولى جل و عز بالتحذير منه و اتخاذه عدوّا، و هو يقول تعالى: عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ[٢] بين الضلالة[٣] و أمر بحذره و مجاهدته كما أمر بحذر الكافرين و مجاهدتهم، فقال عز و جلّ: خُذُوا حِذْرَكُمْ[٤].
و أمر نبيه صلّى اللّه عليه و سلم بصلاة الخوف، تقوم بها طائفة منهم بعد طائفة، لا نعدّ ذلك من النبي صلّى اللّه عليه و سلم شغلا عن ربّه عز و جلّ، و لكن اتباعا لأمره، ففعل ذلك طاعة لربّه؛ لا اشتغالا بعدو اللّه. و الكفار عدو تراهم الأعين و تسمع أصواتهم الآذان، فإن غفل العبد فأصابته منهم نزغة من ضربة أو طعنة أو رمية لم ينفك من أجر
[١] - القصص: ١٥.
[٢] - القصص: ١٥.
[٣] - في رواية: بيّن العداوة.
[٤] - النساء: ٧١.