الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٥٤ - باب وصف الحذر من العدو إبليس
فإن نام و الحذر في قلبه من ذهاب النوم؛ تيقظ في غير وقته الذي كان يستيقظ له من الحذر اللازم لقلبه.
فكذلك المشتغل بذكر ربه الذي لم يذهب عقله أولى أن يوقظه و يذكره الحذر من عدوه، و إن اشتغل بذكر ربه و ترك ذكر عدوه و الاشتغال به؛ لأن المستيقظ من النوم من غير ذكر دائم في قلبه، و كيف يذكر و هو نائم لا يعقل و لكنه أيقظه الحذر.
فكذلك العامل للّه عزّ و جلّ، المشتغل بذكره اللاهي عن ذكر الشيطان بالاشتغال بربه عزّ و جلّ، إذا عرض عارض منه ذكره الحذر في قلبه، و قوّاه الذكر على أن يفطن للعارض، و تحرك للعارض و فزع، إذ كان فيه عطبه[١]، و النائم ليس في قلبه ذكر و لا عارض له يوقظه، فإن عرضت خطرة ذكرها و كان أقوى على ردّها؛ لأنها تعرض بقلب مشغول باللّه عز و جلّ، قد غلب عليه نور الاشتغال فأمات منه الهوى، و قوى منه العقل، و زجر الجهل، و جانبه بنور العلم، فيردّه بأهون الردّ.
و مثل الذي يفرّغ قلبه أو بعضه لانتظار خطرة من الشيطان، مثل من يريد أن ينزف الماء القذر من بئر، و الماء من المجرى إليها واصل، فهو ينزف و الماء إليها يجري، فيقطع أيامه بالنزف و لم تجفّ البئر من الماء. و مثل الذي يلزم الاشتغال باللّه عزّ و جلّ قلبه: مثل من جعل لمجراها سكرا[٢] و سدا، فإذا جاء الماء ردّه بذلك السّكر و السد من غير كلفة و لا عناء، فطهّر البئر من السائل من الأقذار، و قلّ تعبه و كلفته في النزف، و كذلك من اشتغل باللّه عزّ و جلّ ردّ الخاطر
[١] - العطب: الهلاك.
[٢] - السّكر، بفتح السين و تسكين الكاف: سدّ النهر.