الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٠٦ - باب معنى قوله لا تحضرني النية في العمل
كطبع الملائكة، و لكن النهي عما يدعو إليه الطبع.
و كما يروى عن وهب أنه قال: الإيمان قائد، و العمل سائق، و النفس حرون[١]، فإن فتر قائدها صدفت عن الطريق، و إن فتر سائقها حرنت على قائدها، فإذا استقام السائق و القائد مضت النفس طوعا، أو كرها. و لو كنت كلما كرهت نفسك شيئا تركته يوشك أن تترك دينك كله[٢].
و قال: النفس تنتظر الهوى، و الهوى ينتظر العقل، فإن زجره العقل انزجر، و إن أرخى له مرّ.
و صدق؛ لأن العقل إذا لم يبصر بالعلم و يعتصم بالمعرفة صبا إلى ما تدعو إليه النفس من قبل هواها، فكان هو الذي يحتال للمكائد و يتلطف لشهواته و هواه. و إذا تذكر فأبصر بالعلم، و استعصم بالمعرفة عرف ضرر ما يدعو إليه الهوى، و أبصر عاقبة ضرره- زجره، فأمسكت النفس عن استعماله.
و ذلك أن اللّه عز و جل طبع الحيوان من أهل السموات و الأرضين على طبائع شتى، فطبع الملائكة على العقول و البصائر، و عرّاهم من الهوى و الشهوات و الاشتغال للمكاره التي يألم بها غيرهم من الحيوان، فلا يعترض لهم الأهواء و لا تنازعهم الشهوات، فهم دائبون في طاعة اللّه عزّ و جلّ و ذكره لا يفترون؛ إذ لم يجعل فيهم الأضداد التي بها يفترون، و الأهواء و الشهوات التي تصدّ و تؤثر على الطاعات و الذكر، فلم يجعل لهم ثواب نعيم الجنان؛ إذ لم يجاهدوا الأهواء، و لم يتحملوا الآلام و التعب و النصب، و أجيروا من العذاب و تركوا في طاعتهم.
[١] - شبه النفس في توقفها عن العمل بالدابة الحرون، و هي التي إذا استدرّ جريها وقفت.
[٢] - أخرجه أبو نعيم فى حلية الأولياء ٤/ ٣١.