الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٣ - باب في أول ما يجب على العبد معرفته و الفكر فيه
باب في أول ما يجب على العبد معرفته و الفكر فيه
قلت: فما أول ما تأمرني أن أبتدئ به؟
قال: أن تعلم أنك عبد مربوب، لا نجاة لك إلا بتقوى سيدك جل و عز و مولاك، و لا هلكة عليك بعدها؛ فتذكر و تفكّر لأيّ شىء خلقت؟ و لم وضعت في هذه الدار الفانية؟ فتعلم أنك لم تخلق عبثا، و لم تترك سدى، و إنما خلقت و وضعت في هذه الدار للبلوى و الاختبار، لتطيع اللّه عز و جل، أو تعصي، فتنقل من هذه الدار إلى عذاب الأبد أو نعيم الأبد.
فإذا علمت أنك عبد مربوب، ثم عقلت لم خلقت؟ و لماذا عرّضت؟
و إلى أيّ شىء لا محالة مصيرك؛ إلى عذاب الأبد، أو الثواب و نعيم الأبد؟
كان ذلك أول ما يجب عليك أن تبدأ به؛ لأن أول ما يلزمك في صلاح نفسك الذي لا صلاح لها في غيره- و هو أول الرعاية- أن تعلم أنها مربوبة متعبّدة.
فإذا علمت ذلك علمت أنه لا نجاة للمربوب المتعبّد إلا بطاعة ربه و مولاه، و أن الدليل على طاعة ربه و مولاه عز و جل العلم ثم العمل بأمره و نهيه، في مواضعه و علله و أسبابه، و لن يجد ذلك إلّا في كتاب ربه و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و سلم؛ لأن الطاعة سبيل النجاة، و العلم هو الدليل على السبيل. فأصل الطاعة: الورع، و أصل الورع: التقوى، و أصل التقوى: محاسبة النفس، و أصل محاسبة