الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٤٧ - باب من أين ينبغي للعبد أن يكره ذم المسلمين له و من أين لا يكرهه؟
باب من أين ينبغي للعبد أن يكره ذم المسلمين له و من أين لا يكرهه؟
قلت: أليس ينبغي للمسلم أن يكره ذم المسلمين له؟
قال: بلى، و لكن قد يكرهه على وجوه:
قد يكره ذمهم خشية أن يكون ذلك دليلا على ذمّ اللّه عزّ و جلّ له، لقول النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «أنتم شهداء اللّه في الأرض»[١]. هذا ما لم يظلموا في ذمّهم و لم يكذبوا؛ و كراهة أيضا أن يغيروا قلبه فيشغلوه عن اللّه عزّ و جلّ، أو يجىء منه إليهم ما لا يحلّ، فيعصي اللّه فيهم بقلبه، أو جوارحه؛ أو إشفاقا عليهم أن يعصوا اللّه فيه.
و الذي هو أقلّ ذلك، و هو مباح: أن يكره أن يغتمّ بما يسمع أو يشقّ عليه؛ لأنه مخالف للطبع فلا يكاد أن يمتنع أن يهيج الغمّ لسماعه ما يكره من القول فيه، فليس عليه في ذلك جناح أن يكره ما يشقّ عليه فيما يهيج من فعل طبعه؛ و ألا يحب أن يغتمّ. و إن ذمّوه فاغتم لما هاج من الطبع؛ فلا بأس به، ما لم يكن يكره الذمّ و يغتم له جزعا أن يزول عنه الحمد بالطاعة، و محبة أن
[١] - جزء من حديث أنس بن مالك، أخرجه البخاري في الجنائز ٣/ ٢٢٨، ٢٢٩( ١٣٦٧) و في الشهادات ٥/ ٢٥٢( ٢٦٤٢)، و مسلم في الجنائز ٢/ ٦٥٥( ٩٤٩)، و الترمذي في الجنائز ٤/ ١٦٥، ١٦٦( ١٠٦٤)، و النسائي في الجنائز ٤/ ٥٠، و ابن ماجة في الجنائز ١/ ٤٧٨( ١٤٩١)، و أحمد ٣/ ١٧٩، ١٨٦، ١٩٧، ٢٤٥، ٢٨١.