الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٠٨ - ما يعرض من العجب من الشيطان و النفس باستعظام المقامات
و استغاث و استعان، و تبرأ من الحول و القوة إلا بربّه تبارك و تعالى، و قطع رجاءه من نفسه، و وجه رجاءه كله إلى خالقه و مولاه؛ فإنه سيجد اللّه تبارك و تعالى قريبا مجيبا، متفضلا متحننا متعطفا.
و كذلك أمر من أناب إليه و عزم على طاعته فقال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ[١].
و وصف عبده الصالح شعيبا ٧، بالنية بترك ما يكره، و بالعمل بما يحب و بالتوكّل مع ذلك بطلب التوفيق من ربّه فقال تعالى: وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ[٢].
ما يعرض من العجب من الشيطان و النفس باستعظام المقامات:
و عند هذه الحال للنفس و الشيطان خدع من خطرات العجب باستعظام هذا المقام، فيدعوانه إلى أن يضيف ذلك إلى نفسه، و أنه إنما وصل إلى ذلك بعقله و فطنته و عمله، و فقهه و حزمه، و قوته، فرحا منه بقوته على ذلك، فذلك لنفسه حمد مع نسيان منّة ربّه بذلك و تفضله عليه؛ فإن غفل وسها فأضاف ذلك إلى نفسه؛ أنه هو الذي وصل إلى ذلك، و حمد عقله و فطنته، و تخلصه و طلبه، و نسى نعمة ربّه، استحقّ عند ذلك أن يوكل إلى نفسه كالذي يروى عن ابن عباس: «أن داود ٧ إنما أصاب الذنب بإعجاب أعجبه من نفسه، فوكله إلى نفسه بالإعجاب»[٣] و سنأتي على ذكر العجب في غير هذا الموضع، إن شاء اللّه عزّ و جلّ.
[١] - آل عمران: ١٥٩.
[٢] - هود: ٨٨.
[٣] - صححه الحاكم ٢/ ٤٣٣، و وافقه الذهبي، و لفظه:« ما أصاب داود ما أصابه بعد القدر إلا من عجب، عجب به من نفسه، و ذلك أنه قال: يا رب، ما من ساعة من ليل و لا نهار إلا و عابد-- من آل داود يعبدك، يصلي لك، أو يسبح، أو يكبر، و ذكر أشياء، فكره اللّه ذلك، فقال:
يا داود، إن ذلك لم يكن إلا بي، فلولا عوني ما قويت عليه. و جلالي لأكلنّك إلى نفسك يوما.
قال: يا رب، فأخبرني به. فأصابته الفتنة ذلك اليوم».
و من المهم التنبيه هنا إلى أن حكاية فتنة داود فيها كثير من الإسرائيليات، ينبغي التحرز منها، و صيانة مقام نبي اللّه داود عنها، و قد أحسن الإمام الحافظ ابن كثير عند التعرض لآيات سورة٦ إذ قال:« قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ...» ثم ترك ذكر ذلك كله.
انظر التفسير ٧/ ٥١ ط الشعب، و البداية و النهاية ٢/ ١١ ط الريان.