الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٧٦ - باب الغرة بعلم العمال لله تعالى من علم الصدق و الإخلاص، و نفي الرياء و الأخلاق المذمومة و وصف الخوف و الرجاء و الحب
الحب، غير صادق صاحبه، إلا حب التوحيد الذى لو زال عنه كان كافرا.
و يصف التوكل عليه إن واتته الدنيا و أعطاه اللّه ما يحب، فإن خولف هواه بضيق العيش، أو عرض له خوف مخلوق، أو طمع لما فى يديه، اضطرب قلبه، فخاف غير اللّه، و طمع فيما فى أيدى العباد، و اهتم لإبطاء رزقه، و تسخّط ما قلّ منه، هل يتعلق هذا بشىء من توكل الواثقين باللّه عز و جل؟
و إنما يحتاج إلى التوكل عند هذه الحال.
و كذلك يصف الإخلاص، فإذا عرض العمل هاج الرياء، و افتقد الإخلاص، و إنما يحتاج إلى الإخلاص عند العمل، و نفى الرياء عند العمل من العمل، لئلا يحبط اللّه عز و جل العمل عند الفقر فى القيامة إليه، فلما افتقد الإخلاص عند الحاجة إليه، و هاج الرياء عند ذلك، و غلب عليه؛ علم أنّ الإخلاص لم يكن ساكنا قلبه، و لو كان[١] لما افتقده عند الحاجة إليه، إلا عند الغفلة، ثم يفزع إلى الرجوع، كالحائد عن الطريق الذى يؤم المسير عليه.
و كذلك يعرض له عند العمل العجب و الكبر و غيره، فيركن إلى عامة ما كره اللّه عز و جل عند العمل، كالعجب و الكبر و جميع ما كان يذم بلسانه، فإذا افتقد عامة ما كان يصف من الأخلاق المحمودة المقربة إلى اللّه عز و جل، عند موضع الحاجة إليها، و غلبت عليه الأخلاق المذمومة عند الحاجة منه إلى مجانبتها؛ علم أنه كان مغترا بما كان يصف بلسانه.
قلت: كيف يصف بلسانه ما ليس فى قلبه منه شىء إلا معرفته فيغتر بذلك؟
[١] - يعنى لو كان الإخلاص ساكنا قلبه.