الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٥٢ - باب كيف يكون قلب الصادق عند كراهية المنزلة عند المخلوقين و حبه لإخمال ذكره
منزلة، إذا حمدوه بعد ما يفرغ من العمل، أو حمدوه قبل أن يفرغ من العمل، أو حمدوه على جملة على غير عمل يسمونه؛ كمثل: عافاه اللّه و جزاه خيرا، أن يعدّها نعمة إذ ستر القبيح، و أظهر الجميل، و حبّبه إلى خلقه، و هو يتبغض إليه، و يفرح لهم بأن يطيعوا اللّه عزّ و جلّ فيه، و أن يقتدوا به، إن كان موضع قدوة لهم، متفقدا لقلبه مع ذلك ألا يكون فرحه لحبّ المنزلة عندهم.
و ليحذر مع ذلك أن يكره أن تظهر منه فترة بعد ذلك فيغتمّ؛ لئلا يتغيروا له عن حمدهم، أو يبتدئ في عمل و هو معتقد بقلبه أن يحمدوه عليه، إن اعترضت له محبّة ثناء، و تعظيم بطاعته، أو بالبرّ و الصلة- نفي ذلك شكرا للذي ستر عليه قبيحه، و أظهر جميله، فعامله وحده، و أخلص له قلبه.
قلت: فما معنى إذا قول عبد اللّه: حتى يكون حامده و ذامّه في الحق سواء؟
قال: ذلك صحيح: يستوي حامده و ذامه في نفسه، للإخلاص و الصدق للّه عزّ و جلّ، و الزهد في حمد من لا يضرّ و لا ينفع، لأن الخلق عبيد، لا يملكون لأنفسهم نفعا و لا ضرّا، فهم لغيرهم أولى ألا يملكوا له ضرّا و لا نفعا، فزهد في حمدهم، فلم يبال بذمهم! و استوى ذلك عنده لنفسه، إذ الأمر في المنفعة و المضرة واحد، و أن ذمهم لا يوجب ضررا، و أن حمدهم لا يوجب منفعة كما روى عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال له رجل، و هو شاعر بني تميم: يا رسول اللّه، إن حمدي زين، و ذمّي شين، قال: «كذبت، ذاك اللّه عزّ و جلّ»[١].
فلما استيقن المؤمن، و علم و صدّق بأن اللّه عزّ و جلّ إله واحد، و كل ما سواه مألوه مربوب مدبّر مصنوع، لا يحدث في ملك مولاه و ربه عزّ و جلّ ما لا
[١] - سبق تخريجه ص ٢٢٥.