الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٠٧ - باب معنى قوله لا تحضرني النية في العمل
و طبع الأنعام و الطير و الهوام على الشهوات، و جعل فيها المعرفة بقدر ما تغتذى و تطلب معاشها و تحذر على نفسها و أولادها بقدر ما عرفت من المكروه، و لم يجعل لها من العقول ما تعقل الأمر و النهي و العلم للعواقب؛ فرفع عنها العقاب في كل ما أصابته من الشهوات التي حرمها على الإنس و الجن، فرفع عنها العقاب و لم يؤاخذها بما نالت من النكاح، و ما أصابت من أموال الناس و دمائهم، و أجارها من العقاب و جعل آخر مصيرها أن يجعلها ترابا.
و طبع الإنس و الجنّ على العقول التي تحتمل الأمر و النهي، و تعرف العواقب، و ذلك إذا بلغوا الحلم، إلا من أزال اللّه عزّ و جلّ عنه العقل كالمعتوه و غيره، و جعل فيهم غرائز تحبّ كل ما وافقهم و تبغض كل ما خالفهم و آذاهم، ثم أمرهم أن يجاهدوا بما أعطاهم من العقول ما دعت إليه النفس من قبل غريزتها، فجعل لهم الثواب العظيم و العذاب الأليم.
فاعقل كيف طبعت و بماذا أمرت، و لا يخيّل إليك أنك كلّفت أن تغير طبعك حتى تصير كطبع الملائكة؛ فتدع الطاعة انتظارا أن يصير الطبع إلى غير ما بني عليه في الخلقة، و أن يسكت العدو و يزول سلطانه عن الوسوسة فصدّك ذلك عن طاعة ربّك عزّ و جل، فتدع العمل للإخلاص- زعمت- فلا تكون أخلصت عملا، و لكن تركت أن تخلص عملا فيكون لك ثوابه.
فقول القائل: لا تحضرني النيّة، أي أريد أن أطيع اللّه عزّ و جلّ، و لكن أخاف ألا يخلص لي عمل، لما يخطر بقلبه؛ فذلك ضعف و غلط.
و أما من قاله على الكسل و البخل و قلة الرغبة و قلّة سخاء النفس بالطاعة للّه عزّ و جلّ فذلك صادق جائز من قول من قاله؛ و لكن لا يحمد نفسه على