الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٥٧ - الفرق بين الدعوى و الحقيقة
هل كان أخلص لمولاه شيئا؟ فقد خدع من قبل الإخلاص بترك استعمال الإخلاص حيث أمر أو ندب إليه، لأن التخليص غير الإخلاص، التخليص:
التمييز بين الجيّد و الردىء، و الحقّ و الباطل، و الإخلاص: أن يكون الحقّ و الجيّد خالصا صافيا من كل ما يشبهه، فكذلك التخليص في العمل للّه عزّ و جلّ: هو نفي الخطرات، و ترك القبول للرياء، و إعتقاد الإخلاص، فيكون عملا خالصا بعد ما ميّز من الرياء، و عزله منه، و نفي الرياء أن يخالطه، و كذلك الفضة: إنما تكون خالصة إذا خلصت، فميّز الخبيث منها، و كذلك الحنطة إذا ميّز الزوان منها.
و قد يمكن أن يعترض من الشيطان أيضا، لو ترك العمل خوف الرياء في الترك، فلا ينجيه منه شىء، و إن دخل تحت الأرض، مع ما حرم بترك العمل، و ذلك أنه لو تكلم بخير فعرض له: أن اسكت لئلا تكون مرائيا، فسكت، لقال: الآن يقولون: إنما سكتّ لطلب الإخلاص ففرّ، فإن فرّ عرض له، أيضا، بأن يقولوا: إنما فرّ كراهة الرياء و الشهوة، فلو دخل سربا في الأرض ألزم قلبه حلاوة الفرار و الخلوة فيه؛ لعلمه بما يلزم قلوبهم من التعظيم لمن أراد الإخلاص و فرّ طلبا له، فلا ينجيه من ذلك إلا المعرفة، و الكراهة، و الإباء له.
الفرق بين الدعوى و الحقيقة:
و بين الدعوى للباطل و الدعوى على حقيقة فرق، إذا دعاك داع من قلبك:
أنك مراء فنظرت، فإذا أنت من قبل عقلك و علمك كاره أبيّ رادّ، و إن كان العدو مع ذلك يخطر، و طبع النفس ينازع، عرفت أنها دعوى باطل من عدوك؛ ليصدّك عما أنت فيه، أو عما عرض لك من البرّ و الطاعة، قبل الدخول فيه.
فإن خطر خاطر آخر بذلك، فرجعت إلى نفسك، فوجدت قلبا مجمعا على ذلك، متمنّيا لحمد المخلوقين، و لا رادّ من عقلك لهوى نفسك، علمت أن