الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٨٥ - باب الرجل يخرج في الحاجة أو يجالس بعض إخوانه ممن يدعي أخوتهم في الله عز و جل و هو يعلم أنه لا يسلم له دينه معهم
العصافير، و لا يحتال للعصافير بالغربان، فإنما يحتال فينصب لكل طير من صنفه و شكله، لأن الشكل بالشكل يألف، فعليه يقع، و به يصطاد؛ ألم تسمع إلى كتاب أبى الدرداء إلى سلمان، رحمة اللّه عليهما:
أما بعد، فإن يكن البدن من البدن بعيدا، فإن الروح من الروح قريب؛ و طير السماء على شكله من الأرض يقع.
و قد صدق، رحمه اللّه؛ قد رأينا ذلك: فالصياد يحتال بالشكل للشكل من الطير، و كذلك عدوك: إبليس. لما علم أنك نافر من أهل البدع، و من الفساق، و من مؤانسة العوام، حرّك قلبك بالدعاء إلى لقى الأشكال و الإلف بهم، و حبّ محادثتهم، فلما التقيتما على الحب و المؤانسة زال عن قلبك الحذر منه، كما يحذر من المبتدع و الفاسق، و أنس قلبك به، و استراح إليه، فركن، و لها بقربه، فزين لك من القول ما يزيلك به، حتى تشاركه فيه.
ثم الأصحاب عنده مختلفون، فإن علم إبليس أنك حذر خائف فى كثير من أحوالك لم يبدأ صاحبك بالتزين له بالغيبة و الكذب، إن علم أنك من ذلك نافر، و له مجانب، و لكن يدعكما، حتى إذا ذكرتما اللّه عزّ و جلّ، و استأنست قلوبكما، زين لكما فضول الكلام و الراحة إلى الدنيا، فإذا خضتما فى ذلك زين لكما الغيبة و الكذب.
فإن كنتما من الخائفين فى كثير من أموركما أجرى الغيبة من قبل الغضب للّه عزّ و جلّ، أو التعجب و الإنكار أو التوجّع لمن تغتابانه.
و إن كنتما لا تقومان فى الخوف ذلك المقام، أجرى بينكما الغيبة من قبل الغضب و الغيظ و المكافأة لمن ذكركما أو ذكر أحدكما و الآخر راض بذلك، أو الراحة إلى ذكر عيوب الناس.