الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٦٢ - باب الرجل يحضر القوم يصلون فتحضره نية العمل و إن لم يكن يفعل ذلك في خلوة أو يبكون فلا يجد البكاء
لحب محمدتهم، رادا على المنازع من نفسه حب حمدهم، و نفسه سخيّة أن لو خلا، و هو يراهم، فحركوه بمثل ذلك لصلي فيصلي معهم، و لا يدع الصلاة من أجل تلك المنازعة إلى حمدهم، أو وجد من قلبه أنه غالب عليه إرادة اللّه وحده عز و جل، و أنه لو خلا لقام مثل ذلك القيام.
و قد ينشط العبد بغيره، كالصلاة يوم الجمعة، تزول عن العبد الأسباب المشغلة، و يرى من حوله يصلي، فينشط لذلك، و هو في سائر الأيام لا يكاد أن يصلي، فإذا حضره مثل تلك النيّة فليصلّ فإنه للّه عز و جل. و كذلك بالليل مع غيره إلا أن مع غيره أقرب من خدعة النفس، فليعرض على قلبه ما وصفت لك.
قلت: فإن حضر مع قوم يبكون، و لم يأته البكاء، فوجد نفسه تجزع أن يكون قاسيا من بينهم، أيتكلف البكاء بالفكر و الذكر؟
قال: ليعرض على قلبه أن لو خلا و سمع بكاءهم ورآهم، من حيث لا يرونه، هل كان جزعا إن كان قاسيا يراه اللّه عزّ و جل على ذلك، و غيره يبكي من خشية اللّه عز و جل؟ و أن يكونوا أخوف للّه عزّ و جل منه، و هو يعرف من نفسه من الذنوب أكثر مما يعرف منهم؛ فليتكلّف ذلك.
و إن لم يجد من قلبه ذلك فلا يتكلّف ذلك، حتى يأتيه ما لا يملك؛ لأنه إذا لم يجد من قلبه ذلك، لا آمن أن يكون قد جزعت نفسه أن يقولوا: ما أقساه! و أقلّ رقته! و أقل خوفه و حزنه! لأن النفس تنازع إلى أن يظهر منها الخوف ليكرم به. ألا ترى إلى قول لقمان رحمة اللّه عليه: يا بني لا تر الناس أنك تخشى اللّه ليكرموك و قلبك فاجر.