الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٣٠ - باب ما يكون من الحسد عن العجب
عدوه، فلم يك هذا أبدا ليرمى عدوه، و قد علم و تبيّن له أنه لا يصيب عدوه، و إنما يصيب نفسه.
فكذلك الحاسد: قد كان فى نعمة قبل أن يحسد من حسده، و هى نعمة السلامة من الحسد، فلما حسد و أحب زوال النعمة عنه؛ زالت عن الحاسد النعمة التى كانت عليه، و هى نعمة السلامة من الحسد، فتزول عنه سلامته من الحسد و نصحه للمؤمنين، و ينزل به من المكروه و الإثم أعظم مما أراد بمن يحسده، و تبقى النعمة على المحسود لم تزل عنه.
فإذا كنت أردت زوال النعمة عن غيرك، و أن ينزل به المكروه بزوالها عنه، فلم تزل عنه بإرادتك، و لم ينزل به مكروه لمحبّتك له المكروه، و تزول عنك النعمة بتلك المحبّة و ينزل بك أنت المكروه من الإثم، و لعل اللّه عز و جل أن يسخط عليك بذلك، فأنزلت بنفسك ما أردت بغيرك، و ربما كان أكثر مما أردت به، لأنك إن أردت أن تزول عنه نعمة الدين و ينزل به الإثم، فقد نزل بك ما أردت أن ينزل به، و سلم هو مما أردت به.
و إن كنت أردت أن تزول عنه نعمة دنيا، و أن ينزل به مكروه فى الدنيا، فقد أنزلت بنفسك من الضرر أعظم مما أردت به، و لم تزل عنه نعمة، و لا نزل به مكروه مما أردت به.
و كذلك قال اللّه عز و جل: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ[١].
فهل بينك و بين الرامى بالحجر لعدوه إذ رجع الحجر على عينه فرقان؟ بل أنت أعظم بلاء و ضررا، لأنك إذا حسدته فقد تعرضت لسخط اللّه عز و جل فيه، و أثمت بربّك و لم تزل عنه النعمة، و رجع عليك عقوبة الإثم، فصارت فى عينك، فذهبت بها، و كتب عليك إثم تؤخذ به فى الآخرة، و تستوجب به غضب اللّه عز و جل، فلو رجع الحجر على عينك بدل الإثم كان خيرا لك،
[١] - يونس: ٢٣.