الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١١٦ - باب معرفة التثبت و عند ماذا يتثبت
ذلك الطعام حلاوة تعجيل لذته، فيتركه من أجل سوء عاقبة أيام قليلة لسقم فان مقدور واقع به إن كان قدّر أكل ذلك الطعام أو تركه، و إن لم يقدر له لم يقع به أكله أو تركه. فهذا الذي عرض له الذنب، فذكر سوء العاقبة في الآخرة، أولى أن تطفئ ذكر مرارة سوء العاقبة حلاوة لذة الشهوة، لأنه يخاف عاقبة دائمة في ضرر عظيم، لا يقوى عليه بدنه، و لا يقوم له صبره، إن لم يخفه لم ينج منه، إلا أن يعفو عنه ربّه عزّ و جلّ، لأن ضرر الدنيا قد يصرف بحذر و غير حذر، و لا يصرف ضرر الآخرة إلّا بالحذر.
فإذا كان سوء عاقبة يوم أو يومين يطفئ حلاوة تعجيل أحبّ الطعام إليه فسوء عاقبة عذاب الأبد مع الحياء من اللّه و نظره إليه أولى أن يطفئ حلاوة شهوة الذنب.
و إن عرض له ذنب مما كان قد ستره الهوى و الشهوة فلم يعرفه في حال توبته، عزم على تركه و حمد اللّه جلّ و عزّ إذ فطّنه له قبل أن يتوفاه عليه.
و إذا عرض له ذنب لم يكن أذنبه من قبل خوّف نفسه سوء الخاتمة إن واقعه؛ أن يختم له بخاتمة الأشقياء في آخر عمره، و لم يأمن أن يكون أخرّ له، ليختم له بخاتمة الشقوة و الهلكة.
و إذا عرض له حق للّه جلّ و عزّ، مما قد كان ضيّعه، فتاب منه و عزم على القيام به، خوّف نفسه أن يعود إلى التضييع له، فيخلف وعده و ينقض عزمه على القيام به، فيكون اسمه عند اللّه عز و جل مخلفا غدارا، و رجّى نفسه على القيام به النظر من اللّه عزّ و جلّ بالرضا عنه، و أن يسميه اللّه عزّ و جلّ موفيا، و يحكم له بالصدق، لأنه يسمع اللّه جلّ و عزّ سمّى بالكذب و الخلف، و أوجب العقوبة لمن عاهده و عزم على طاعته فلم يف بها له، فقال تبارك و تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ