الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٩٨ - باب الغرة ممن أم التقوي و أحسن التفقد لظاهره و داخله
و بذلك وصفهم اللّه عز و جل فقال: يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ[١].
فليتفكروا و يتذكروا أىّ رب يعبدون؟ و أى ثواب يطلبون؟ و من أى عذاب يهربون؟ و ما بين أيديهم من الأهوال و عظيم الخطر، و ما أحصى عليهم من الذنوب، و سابق علم اللّه عز و جل فيهم، فإنهم إذا تفكروا فى ذلك كانوا- مع معرفتهم بتضييع العباد لحق اللّه عز و جل فى زمانهم، و بما منّ اللّه عزّ و جلّ عليهم من الطاعات و التقوى- يرون أنهم شرّ أهل زمانهم، كما روى عن ابن عمر- رضى اللّه عنه- أنه قال: «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى ينظر إلى الناس كالأباعر فى ذات اللّه عزّ و جل، ثم يرجع إلى نفسه فتكون عنده أحقر حاقر»[٢].
و كيف لا يكون كذلك و الربّ جلّ جلاله لا يؤدّى حقّه، و لا يبلغ قدر عظمته، و لا تحصى نعمه، و عذابه عذاب لا يقام له به، و ثوابه ثواب لا صبر عن دونه؟![٣]، حتى لو أن أحدهم كشف له عن عبادات الملائكة؛ لعلم أنهم مقصرون عما يحقّ للّه عزّ و جل، و على قدر يوم القيامة بأهواله و زلازله و شدائده، فكيف بضعيف عمل أحدهم؟!
[١] - المؤمنون: ٦٠.
[٢] - هذا الأثر أخرجه- من قول خالد بن معدان- ابن المبارك فى الزهد ص ٩٩( ٢٩٥)، و أبو نعيم فى الحلية ٥/ ٢١٢.
و أخرج ابن المبارك( ٢٩٦) و أبو نعيم ١/ ٢٠٦ عن ابن عمر قال:« لن يصيب الرجل حقيقة الإيمان حتى يرى الناس كأنهم حمقى فى دينهم».
و قال أبو الدرداء:« لا تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس فى جنب اللّه، ثم ترجع إلى نفسك، فتكون أشد لها مقتا». أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٣٠٦( ١٦٤٣٢)، و أبو نعيم فى الحلية ١/ ٢١١.
[٣] - يعنى لا صبر عن أقله و أيسره، أو لا صبر عن تركه و لا استغناء عنه.