الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٠٩ - باب بم يعرف سوء رغبة النفس
لأنك لو صحبت صاحبين: أحدهما لا يحل لك قتله و لا تقدر على مفارقته: كالوالدة أو الوالد، و له نهمة أن يصيب لذّته و يروح بدنه، و إن أعطبت فى ذلك، فبينما أنت معه إذ غفلت فجاء بصخرة ليرضخ بها رأسك، فأيقظك الآخر الذى معك، و أمسك بيده، حتى قمت إليه، فأخذت الصخرة من يده، ثم ألقيتها.
و كذلك لو صنع طعام فيه سم فنبّهك الآخر له حتى عرفته، لازددت له بغضا و مقتا، و للذى نبهك و فطّنك له مودّة و حبّا، و للذى أراد بك القتل حذرا، و على الذى نبّهك توكّلا و به ثقة، و انقطع رجاؤك ممن أراد أن يكيدك، و اشتد أملك و رجاؤك للذى أيقظك و نبّهك، و انقطع عنك العجب لفطنتك به و تخلصك من شره، و أقررت بالنعمة و التفضّل للذى نبهك و أيقظك، حتى امتنعت من مكائد عدوك الذى أراد أن يكيدك.
فالعدو الذى أراد مكيدتك نفسك، و الذى أيقظك و نبّهك ربّك عزّ و جلّ، فكم من بلاء أرادته بك و نازعتك إليه، و هممت به أو فعلته، فنبّهك اللّه عزّ و جلّ عليه، فتركته و لم تركبه، و ما ركبت منه ندمت عليه و تبت إليه.
فإن عرفتها ازددت للّه عزّ و جلّ حبّا و مودّة، و لها بغضا و مقتا، و على اللّه عزّ و جلّ توكلا و ثقة، و منها إياسا، و إلى اللّه عزّ و جلّ طمأنينة، و منها حذرا و وجلا، و لم تعجب بما عملته، و لم تضفه إلى نفسك، إذا كانت محبّتها فى خلاف ما عملت من الخير، و محبّتها فيما تركت من الشر، و لو تركت إلى محبّتها صارت إليها. فالذى أيقظك و أعانك على خلاف محبّتها غيرها، و هو اللّه عزّ و جلّ.
فاعرفه عزّ و جلّ، و اعرفها، فإنك إن عرفتها صدقتها، و إن صدقتها و لم