الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٠٦ - باب بم يعرف سوء رغبة النفس
و المصائب، حتى يخيل إليك أنك من الراضين، و تلك حال يرضى بها كل مؤمن و فاجر، لأنها حال توافق محبة النفوس، و ليس عند هذه الحالة أريد منها الرضا، و إنما ذلك العزم منها نية أن ترضى، لا رضاء؛ لأن الرضا بعد القضاء بنزول البلاء و المصائب، فإذا نزلت مصيبة أو بلاء فى بدنه، أو ضيق فى معاشه من شدة من شدائد الدنيا، امتنعت من الرضا، بل كانت هى التى تهيج للجزع و التسخط، و تثبط عن الرضا، و تصد عنه، فلم تف بما وعدت، و كانت هى التى تدعو إلى ما يكره اللّه عز و جل من السخط، و تصد عن الرضا.
و كذلك تعطيك التوكل و الثقة باللّه عز و جل، ما واتتها الأسباب و الدنيا، و كفيت المؤونة، فإذا جاءت حال يحتاج فيها إلى النظر إلى اللّه عز و جل لا إلى خلقه و الأسباب التى دون اللّه عز و جل، تعلقت بالأطماع، و هاج رجاء المخلوقين و خوفهم، و لزم القلب الاهتمام بالأسباب، و ظهر التصنع و التملق للخلق، فغدرت بك حين احتجت إليها، و كانت هى التى تصد عن التوكل و تثبّط عنه، فإن أيقظك اللّه عز و جل لها و لمجاهدتها، و ذكّرتها موعدها، و ما تحملك عليه من نقض موعدها و خلف عزمها؛ جاهدتك و امتنعت، فإن حملت عليها بذكر الوعيد و الوعد، و ذكّرتها نظر اللّه عز و جل و قيامه عليها و سؤاله غدا لها، فتذكرت بعقلك، استبان فيه اليقين، و عظمت فيه المعرفة، و اشتدت فيه البصيرة، فقهر ذلك هواها و غريزتها، خلاف ما انقادت له.
فلما رأتك قد حلت بينها و بين الشر الظاهر و الباطن؛ طلبت الشر الخفى الغامض، و انتشرت عليك بطلب الرياء لتتصنع به، و العجب لتستريح إليه،