الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٠٥ - باب بم يعرف سوء رغبة النفس
يوم فقرك و فاقتك إليه، تعطيك ذلك سخية غير ممتنعة، فإذا عرض العمل هاجت هى بالدعاء إلى الدخول فيما وعدت أن تفرّ منه، و امتنعت مما وعدت أن تقوم به، و هاجت الشهوة بالرياء، و امتنعت من الإخلاص، و امتنعت مما يقبل به عملك، و دعتك إلى ما يحبط به عملك فى يوم فقرك و فاقتك.
أرأيت لو أنها وعدتك الرياء عند العمل، و الامتناع من الإخلاص عند العمل، فأخبرتك أنها تريد بذلك حبط عملك، حيث تحتاج إليه فى يوم فقرك و فاقتك، ألم تكن قد أنجزت ما وعدتك؟
و كذلك تعطيك الورع فى حال العدم، و إنما ذلك نيّة الورع، فتزعم أنها تدع ما يكره اللّه عزّ و جلّ حين تعرض للبلاء، خوفا أن يغضب اللّه عليك، فتستوجب العذاب و تحرم الثواب، و أنها تمتنع من المعصية، ترجو بذلك الأمان من العذاب، و الظفر بالفوز و الثواب، حتى إذا قدرت و امتحنت جاشت لشهوتها، فطلبت ما زعمت أنها تدعه إذا عرض لها إشفاقا عليك من النار و حرمان الثواب، و امتنعت مما زعمت أنها تقوم به من الورع رجاء الأمن من العذاب و الظفر بالفوز و الثواب، فهل يقدر أعدى الأعداء لك إلا أن يعطيك من الأمن ما تغترّ به، لتسكن فتطمئن و لا تحذره، و تأمنه، حتى إذا عرض ما وعدك أن يعطيك كان هو الذى يطلب هلاكك و عطبك، لينال ما يريد و يشتهى.
و كذلك الزهد، تعطيك قبل الملك، حتى يخيل إليك أنك من الزاهدين حتى إذا ملكت الدنيا أو القليل منها هاجت منها الرغبة، و كانت هى المطالبة و المنازعة إلى الرغبة، و الصادّة عن الزهد، و المثبطة عنه، فأخلفتك الموعد، و كانت عليك فى خلاف ما أعطتك.
و كذلك الرضا، فى حال الرخاء و العافية، قبل وقوع القضاء بالبلاء