الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥١٧ - باب التكبر بالعلم و العمل خاصة
ضيّع العمل، لأنه ضيّع العمل إذ لم يرد اللّه تعالى به، لأنه لم يعمله للّه عز و جل، و إنما عمله لغيره، فشارك المضيّع فى تضييعه، و فضله فى الشر بريائه و كبره و عجبه و حسده.
ألا ترى إلى المنافقين؟ أنهم فى الدرك الأسفل من النار، و قد تركوا الإيمان، مع سائر الكفار و أظهروا رياء للعباد، فجعلهم فى الدرك الأسفل من النار، فكذلك المفسد للعمل شرّ ممن ضيّع العمل.
و أما العلم، فكذلك الحامل للعلم المضيّع لأمر اللّه عز و جل أشدّ بلاء و أعظم إثما ممن ضيّع أمر اللّه عز و جل على جهل.
ألا ترى إلى إبليس لما علم أمر اللّه عز و جل، و اعترف له بالربوبية، ثم عاند أمره، بعد علم و بيان و اعتراف، لعنه اللّه عز و جل إلى يوم الدين، و صار شرّ الخلائق، و قطع رجاءه من التوبة أبدا.
أو لا ترى أن اليهود اليوم لا يدعون للّه ولدا و لا شريكا، و هم عند جميع أهل الإسلام شر من النصارى الذين يدعون للّه الولد و الشريك، لأن اللّه عز و جل وصف عامتهم بالجحد بعد المعرفة، فقال عز من قائل: يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ[١]. و قال تعالى: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ[٢].
و قال تعالى: لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ[٣].
فكانوا عنده أعظم بلاء إذ جحدوا الحق بعد علم و معرفة، كما قال اللّه عزّ و جلّ: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ[٤].
[١] - البقرة: ١٤٦.
[٢] - البقرة: ١٤٤.
[٣] - البقرة: ١٤٦.
[٤] - البقرة: ٨٩.