الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٥٧ - تبليغ الإسلام ونشره
تحضّر بحضارة الرومانيين، أسبق من الحجاز في اجادة الغناء وما يحيط به من لهو ومجون والحجاز- كما قدّمنا- أقرب الى البداوة، وهو إذا قورن بالعراق أو الشام كان فقيراً مجدباً، فما السّر في ذلك؟» ثم قال: «حتى لقد كان فقهاء الحجاز أوسع صدراً و أكثر تسامحاً في الغناء والمجون من أهل العراق. وقد رأينا قبلًا أنّ ما لأهل العراق من تشدّد في الدين كان وليد الفرس»[١].
والذي يدعو للتأمل هو أنّ الإيرانيّين كانوا أهل غناء وطرب ولهم في الموسيقى سابقة عهد طويل، والحال هذا يقتضي أن يكونوا هم الذين يحاولون تأويل حرمة الغناء أو أن يتسامحوا في ذلك؛ هذا أوّلًا. وثانياً: إنّ الغناء واللهو إنّما انتشرا في الحجاز على أيدي المغنين الإيرانيّين، فاكثر المغنين المعروفين لذلك العهد كانوا من الإيرانيّين[٢]، ومع ذلك نرى أنّ الإيرانيّين كانوا أورع من غيرهم عن الطرب ما عدا هؤلاء المطربين المأجورين!
طبعاً كان هذا يتبع الأجواء الدينية للكوفة إذّاك، وإلّا فقد كان للأجواء غير الدينية كبلاط هارون الرشيد والبرامكة شأن آخر.
تبليغ الإسلام ونشره
إنّ مسألة انتشار الإسلام في العالم وعلله وكيفياته، لهي مسألة مهمّة وجديرة بالاهتمام. ومن البدهي أنّ فطرية هذا الدين ومطابقته للمنطق ومواكبته لسنن الحياة كانت عوامل أساسية في انتشار الإسلام.
[١] فجر الإسلام: ١٧٧.
[٢] يعلم هذا بمراجعة موسوعة( الأغاني) لأبي الفرج الإصبهاني، وللمثال نأتي بأسماء بعض مشاهيرهم: ابن مزن المدني( الأغاني ١٥٧: ١)، وحنين الحجازي، وأبي منبه الشامي( الأغاني ١١٩: ٢) وداود بن سلم( الأغاني ١٣٧: ٥) وإسحاق الموصلي وابنه إبراهيم.
ومن الفقهاء والمحدّثين بالحجاز المتعاطين له: عبدالله بن المبارك، وابن جريج( الأغاني ١٥٧: ١) وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة أحد الفقهاء السبعة( الأغاني ٩٦: ٨) وعبيدالله بن عمر العمري، وسعيد بن المسيب أيضاً من الفقهاء السبعة( الأغاني ١٢١: ١٧). وسعيد بن المسيب وعبدالله بن المبارك ينكران على أهل العراق تشددهم في الغناء وتجويزهم للحداء والرجز( الأغاني ١٥٧: ١ و ١٢١: ١٧).