الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٥٦ - الإسلام في المغرب وشمال إفريقيا
نجده لغلائهم. فكتب بهرام الى ملكالهند وطلب منه المغنّين، فجاءه اثنا عشر ألف مغن ومطرب وراقص، ففرّقهم بهرام في بلدان إيران! ...
ولم يكن يتعرف العرب من الغناء والموسيقى إلّا على صوره البسيطة الساذجة، ولكنهم بعد اختلاطهم بإخوانهم العجم انتشر فيهم الغناء واللهو بصورة سريعة، حتى أن الحجاز تقدّمت في كثرة تعاطيه على العراق والشام، حتى أصبح الحجاز في النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري مركز الفقه والحديث واللهو والموسيقى! وذلك لأنّ الامراء والحكام وأصحاب النفوذ الامويين كانو يشيعون الفاحشة هذه بشكل فاضح! وخالفهم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مخالفة شديدة انعكست آثارها في آثارهم من الحديث والفقه!
وإذا تجاوزنا الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وأردنا أن ندرس الموضوع في مستوى عامة الناس، رأينا أنّ عامة المسلمين الإيرانيّين والعلماء الإيرانيّين مع ما كان لأسلافهم من السوابق في تعاطي الغناء والطرب قد قاوموا انتشار هذه الانحرافة وخالفوها أكثر من عامة العرب والعلماء العرب!
فقد كتبوا بشأن مالك بن أنس الإمام المعروف لمذهب المالكية- وهو عربي في حسبه ونسبه- أنّه أراد أن يشتغل بالغناء والطرب فمنعته امّه وقالت: «يا بني! إنّ المغنّي إذا كان قبيح الوجه لم يُلتفت الى غنائه! فدع الغناء واطلب الفقه، فإنّه لايضر معه قبح الوجه» يقول مالك: «فتركت المغنين واتبعت الفقهاء، فبلغ الله بي ماترى»[١].
وكتب أحمد أمين يقول: «والحقّ أنّ الحجاز كان غنياً بفنّي الغناء والمنادرة، كما كان غنياً بالفقه والحديث، وكان أكثر المغنّين في قصور أُمراء بني أُمية وخلفائهم ممن تخرّجوا في مدرسة الحجاز. وليس عجيباً أن يكثر الفقه والحديث في الحجاز، لما بينّا، إنّما كان عجيباً أن يبزّ الحجاز العراق والشام في الغناء وما إليه، فقد كان أقرب الى الذهن أن يكون العراق وارث المدنيات المتتابعة، أو الشام وقد
[١] بالفارسية( تاريخ إيران) لمشير الدولة: ٢٠١.