الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٤٩ - الطبقة الثالثة والثلاثون
٤- أكثر الفلاسفة بعد دور الترجمة- وقليل من دور الترجمة- حتى القرنين السادس والسابع كانوا فلاسفة أطبّاء، كابن سينا الفيلسوف الطبيب، بل إنّ الطّب في كثير منهم غالب على الفلسفة.
ويشترك في هذا الدور- دور الفلاسفة الأطبّاء- المسلمون واليهود والنصارى، ولكن لا أثر للصابئة في هذا الدور على عكس دور الترجمة. فكثيراً ما نجد في هذا الدور أطبّاء عظماء مسيحيين أو يهوداً هم فلاسفة ضمناً ولكن لانجد فيلسوفاً عظيماً من اليهود أو النصارى.
فمثلًا: أبوالفرج بن الطيب معاصر ابن سينا كان من الطب بمنزلة يثني عليه بها ابن سينا، ولكن لم يكن ابن سينا أو غيره يجد فيه شيئاً ملحوظاً من حيث الفلسفة، نعم يُستثنى من هذه الناحية أبوالبركات البغدادي وحتى أبوالخير حسن بن سوار، فانّ أبا البركات كان فيلسوفاً ذا رأي من اليهود وأبوالخير كذلك من النصارى، إلّا أنا- كما نعلم- لم يبق هذان على دينهما الأوّل بل أسلم كلاهما في نهاية الأمر. وهذه الأرقام ملفتة للنظر من حيث الدراسات الاجتماعية. إنّ الفلاسفة أصحاب الآراء في دور المترجمين الفلاسفة والفلاسفة المترجمين كلهم مسلمون، أو في طبقة الأطباء الفلاسفة والفلاسفة الأطّباء كذلك كلهم مسلمون، أما غير المسلمين فمع ما لهم من الأطباء العظماء لا فيلسوف لهم صاحب رأي ونظر. وهذا دليل على أن الروح الإسلامية أوفق مع التعقّلات الفلسفية من سائر الأديان.
وأجلب للانتباه أنا لانجد في طول تاريخ الفلسفة والطب الإسلامي (١٢ قرناً) فيلسوفاً زرادشتياً ولا طبيباً (وكذلك الأمر ظاهراً في الرياضيات). ومن البدهي أن الزرادشتيين أيضاً كانوا يتمكنون من المشاركة في هذه النهضة العلمية والثقافية والفلسفية والمساهمة فيها كاليهود والمسيحيين، ولكنهم لم يشاركوا قط! كما لم يشاركوا فيما قبل الإسلام أيضاً في الثقافة العالمية! فالإيرانيون من حملة مشاعل العلم والثقافة قبل الإسلام كانوا مسيحيين ويهوداً وصابئيين، وهم الذين كانوا يديرون