الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٥٩ - العرفان والإسلام
والمسألة التي يلزم أن نعرض لها هنا هي: هل أنّ العرفان الإسلامي من قبيل الفقه و الأُصول والتفسير والحديث أي هو من العلوم التي اتخذ المسلمون موادّها الأصلية من الإسلام واكتشفوا لها القواعد والأُصول والضوابط؟ أو هو من قبيل الطب والرياضيات التي دخلت الى عالم الإسلام من خارجه وتطورت وتكاملت على يد المسلمين؟ أو أنّ هناك قسماً آخر؟
يختار العرفاء أنفسهم الشطر الأوّل ولايقبلون أىّ احتمال آخر. وقد أصرّ بعض المستشرقين ويصرون على أنّ العرفان وأفكاره الدقيقة واللطيفة إنّما دخلت عالم الإسلام من خارجه، فقد يرون أنّ لها عروقاً مسيحية وأنها من نتيجة ارتباط المسلمين بالرهبان المسيحيين، وقد يرون أنها ردود فعل الإيرانيّين ضدالعرب والإسلام! وقد يرون أنها من نتائج الفلسفة الأفلاطونية الجديدة التي هي من نتيجة تأليف أفكار أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس والجينوسيين في الإسكندرية وآراء وعقائد اليهود والمسيحيين. وقد يرون أنها من أفكار البوذيّين. كما أنّ مخالفي العرفاء من المسلمين كانوا ولا زالوا يحاولون أن يجدوا للعرفان والتصوّف جذوراً غير إسلامية.
والنظرية الثالثة: أنّ العرفان بقسميه العملي والنظري إنّما أخذ مواده الأُولى من الإسلام وبيّن لها قواعد وضوابط واصولًا ولم يتخلص من تأثير الأفكار الكلامية والفلسفية و لا سيّما الإشراقية. أما ما هو مدى موفّقية العرفاء في بيان القواعد والضوابط الصحيحة المستخرجة من المواد الإسلامية الأُولى، وهل أنّهم كانوا موفقّين في ذلك كالفقهاء أو لا؟ وما هو مدى تقّيدهم بعدم الانحراف عن الأُصول الإسلامية الواقعية؟ و ماهو مدى تأثير المجريات الخارجية على العرفان الإسلامي؟ وهل أنّ العرفان الإسلامي صهرها في بوتقته وصبغها بصبغته وأفاد منها؟ أو أنّ أمواج تلك المجريات دفعت العرفان الإسلامي في مسيرتها؟ هذه أُمور يجب أن تبحث بدقة في مظانّها. والمقطوع به هو أنّ العرفان الإسلامي أخذ أُصوله من الإسلام فحسب.