الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٦٢ - العرفان والإسلام
تكفي هذه المفاهيم والآيات وغيرها لأن تكون ملهمة لمعنوية عظيمة ووسيعة بشأن الله والعالم والإنسان، ولا سيما بشأن علاقة الإنسان بربه.
وليس الكلام في كيفية استفادة المسلمين من هذه المواد بصورة صحيحة أو غير صحيحة بل الكلام في النظريات المغرضة لجماعة من الغربيّين والمغتربين الذين يحاولون تفريغ الإسلام من معنويته. الكلام عن رأسمال عظيم في صميم الإسلام كان بإمكانه أن يكون ملهماً عظيماً في عالم الإسلام، على فرض أن يكون العرفاء أخفقوا في الإفادة الصحيحة من هذا الرأسمال العظيم، فقد أفاد منه آخرون غير معروفين بعنوان العرفان.
أضف الى ذلك أنّ الروايات والخطب والأدعية والاحتجاجات الإسلامية و تراجم أكابر المتربّين بتربية الإسلام، تثبت لنا أنّ الذي كان في صدر الإسلام لم يكن زهداً جامداً وعبادة علىأمل الأجر والثواب، إنّ في الروايات والخطب والأدعية و الاحتجاجات معانٍ عظيمة. وإنّ تراجم شخصيات الصدر الأوّل تحكى عن سلسلة من الهيجانات والواردات الروحية والبصائر القلبية وعن عشق واحتراق معنوي عظيم، نذكر من ذلك هنا حديثاً واحداً:
في أُصول الكافي: «عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول:
إنّ رسول الله (ص) صلّى بالناس الصبح، فنظر الى شابّ في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه. مصفراً لونه، قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله (ص): كيف أصبحت يا فلان؟
قال: أصبحت يا رسول الله موقناً. فتعجّب رسول الله (ص) من قوله، وقال (ص):
إنّ لكلّ يقين حقيقة، فما حقيقة يقينك؟
فقال: إنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزفَتْ نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأني أنظر إلى عرش ربّي وقد نُصب للحساب وحُشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، حتى كأنّيأنظر الى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنة ويتعارفون وعلى الأرائك مُتكئين،