الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٨٧ - عوامل التقدّم السريع
الكلام»[١].
إنّ هذه الروايات هي التي أوجدت الأرضية المساعدة لسعة النظرة وشمولها وعدم التعصّب عند المسلمين في تلقّي العلوم والمعارف من غير المسلمين، وهي التي أوجدت في المسلمين روح المسامحة والتساهل و عدم التثاقل في تعلم العلوم و الصناعات منغير المسلمين، فهم كانوا ينظرون الىما يأخذونولا ينظرون الى مَن يأخذون منه ولا يهتمون لذلك، بل كانوا يرون أنفسهم ورثة الكتاب والحكمة وأصحابها الأصليين في العالم كما تعلموا ذلك من قائدهم العظيم الرسول، الكرم، بل كانوا يرون الحكمة عند غيرهم عارية يجب أن تؤخذ منه، كما قال العارف المولوي في شعره:
إنّ الحكمة عارية لديك يا أخي كما أنّ الجارية عارية لدى النخاسين
بل كانوا يعتقدون بأنّ العلم والإيمان يجب أن لاينفصل أحدهما عن الآخر، وأنّ الحكمة في البيئة غير المؤمنة غريبة يجب أن تنقذ، وأنّ وطن الحكمة هو قلوب أهل الإيمان، و لا شكّ في فهم هذه المعاني من هذا الحديث:
«كلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحقّ بها»
ولذلك فقد كان همّ المسلمين أن يتوصلوا الى علوم العالم ومعارفه.
ويقول جرجي زيدان بشأن عوامل سرعة تقدّم التمدّن والحضارة الإسلامية:
«ومن العوامل الفعالة في سرعة نضج العلم فى النهضة العباسية، وكثرة ما ترجم في تلك المدة القصيرة، إنّ الخلفاء أصحاب تلك النهضة كانوا يبذلون كلّ مرتخص وغال فيسبيل نقل الكتب، ويرغّبون النقلة وغيرهم بالبذل والإكرام والمحاسنة، بقطع النظر عن مللهم أو نحلهم أو أنسابهم، وقد كان فيهم النصراني واليهودي والصابئي والسامري والمجوسي. فكان الخلفاء يعاملونهم كافة بالرفق والإكرام، ممّا يصحّ أن يكون مثالًا للاعتدال والحرية وقدوة لولاة الامور في كلّ العصور»[٢].
[١] بحار الأنوار ٩٦: ٤.
[٢] تاريخ التمدّن الإسلامي ١٨٣: ٣.