الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٥٣ - الإسلام في المغرب وشمال إفريقيا
وقد تأسف بعض الإيرانيّين من هذه التحريفة في دعوة الشعوبية و رآها خطراً على الإسلام حتى أنّه برغم قوميته الإيرانية أخذ يتعصب للعرب كرّد فعل للتحريفة! وهذا من عجائب التاريخ ومن علائم تأثرهم العميق بالإسلام.
فلقد كان الزمخشري صاحب كتاب «الكشاف» من أكابر علماء إيران ومن نوادر الأيّام، وكان أصله من أهل خوارزم بخراسان، وإنّما لُقّب «جارالله» لجواره بيت الله الحرام، ونراه يبدأ كتابه «المفصّل في الصرف والنحو» بخطبة يقول فيها:
«الله أحمد على أن جعلني من علماء العربية، وجبلني على الغضب للعرب والعصبية، و أبى لي أن اتفرّد عن صميم أنصارهم وامتاز، وأنضوي إلى لفيف (الشعوبية) وأنحاز، وعصمني من مذهبهم الذي لم يجدِ عليهم إلّا الرّشق بألسنة اللاعنين، والمشق بألسنة الطاعنين».
ويُعلم من العبارة الأخيرة أنّ الشعوبية كانت قد أصبحت مردودة بنظر الإيرانيّين أنفسهم الى درجة إن لم يكن يحصل داعيها على شيء سوى اللعن والملام!
والثعالبي النيسابوري صاحب كتاب «يتيمة الدهر في محاسن ادباء أهل العصر» المتوفّى (٤٢٩ هجرية)، الذي كان من أكابر مفاخر العلماء المسلمين الإيرانيّين، نجده في مقدّمة كتابه «سرّ الأدب في مجارى كلام العرب» يكرّس قلمه لإصدار الشعار والهتاف لحماية العرب ضد الشعوبية، ويتكلّم عن تقدّم العرب على غيرهم كعربي متعصب تماماً، فهو بعد الحمد والثناء على الله والرسول يقول: «فانّ من أحبّ الله تعالى أحبّ رسوله محمّداً المصطفى (ص)، ومن أحبّ الرسول أحبّ العرب، ومن أحبّ العرب أحبّ اللّغة العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبّ اللّغة العربية عني بها و ثابر عليها، وصرف همّه إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه قوة بصيرة وحسن سريرة فيه اعتقد أنّ محمّداً صلواتالله عليهخير الرسل، والإسلام خير الملل والعرب خير الأُمم، و العربية خير اللغات و الألسنة»[١].
[١] سر الأدب في مجاري كلام العرب للثعالبي النيسابوري: ١ ط طهران ١٢٧٢ ه-.