الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٧ - دور المثقلين
الدول المسيطرة الغربية بالذات فهو في هذه المرحلة- الأُولى- إنّما يفكّر مترجماً ويعمل مترجماً يضاً!
وإنّ ما لهؤلاء المثقّفين في هذه البلدان المتخلّفة من الإعتماد على معلوماتهم ومحفوظاتهم، والغرور الذي يصيبهم بإمتيازهم عن سائر الناس في جهلهم وتخلّفهم، يمنع عن النقد الدقيق وتحليل الحوادث والواقعيات. ويجب أن تمر أعوام وقرون من الحوادث المؤلمة حتى يستيقظ هؤلاء المثقّفون من نومهم «نومة الأرنبة الغافلة» وحتى تتّضح للناس حقيقتهم و مدى قيمة آرائهم.
وفضلًا عن هذا، فإنّ هؤلاء المثقّفين إنّما يجعلون إحياء الوجدان القومي محطّ همّهم في تلك المراحل الاولى لحركاتهم الفكرية والعملية. وسرعان ما ينحتون لأنفسهم- بمقتضى نفسياتهم وأفكارهم- أهدافاً ثانوية من الحياة الغربية وحضارتها، بحيث تصل بهم بسرعة الى تلك الحياة المرفّهة الاوروبية. وهذا الاتّجاه بنفسه يستلزم السكوت بل مهادنة عوامل الظلم والفساد في كلّ زمان، وهو سبب التحلّل والذوبان في الجهاز الاستعماري، ويوجب عليهم الخدمة له أيضاً!
والمرحلة الثانية: في تحليلات «فانون»: تبدأ حينما يصمّم مثقّف المجتمع المتخلّف أنّ يفكّر في أُمته بتصميم وإرداة أقوى وآكد، ولكنّه حينما يرى امته وما هيعليه الآن وأنّها تعيش الشقاء والقلق والجهل والتخلّف، يتجه إلى أيام من التاريخ كي يجد فيها لأُمّته الجلال والمجد والعظمة، أو السمعة والشهرة والظهور على الأقل. ولهذا فهو يترك مجتمعه اليوم بما فيه من جوانب تجذب النظر، ليطير من فوق قمم القرون التي قد خلقت سلسلة من العلل التى انتهت الى ما تعيش امته الآن عليه، الى آلاف من السنين من قبل، وحتى أنّه لو لم يجد في تاريخ امته مثل هذه الأيّام فإنّه سوف يتّجه لذلك الى أساطير الأوّلين[١].
[١] يراجع بهذا الصدد آثار جماعة أُخرى من المثقّفين الفارسيين من قبيل: بروين دختر ساسان، از اين أُوستا دو قرن سكوت، ماه نخشب، مجموعه إيران باستان، مجموعة إيران كوده.