الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٤ - وأما الوحدة الإقليمية والطبيعية
هذا الاختلاف الظاهر بين العناصر عالم الذرّة الداخلية وما فيها من المكنونات، ويتبيّن لنا أنّ تعدّد هذه العناصر إنّما هو مظهر عن الواقع الداخلي لباطن الذرّة وعدد الألكترونات فيها، وأنّ اختلاف كميتها في داخل الذرّة وحده هو السبب في ظهور اختلاف هذه العناصر في الكيفية أيضاً فقط .. وهكذا يجب علينا أن نكتشف تحت هذه العوامل والعناصر المعرّفة للُامة التي سبقت الإشارة إليها آنفاً، عاملًا أو عوامل داخلية أساسية تكون هى المؤسسة الواقعية- أو الأقرب الى الواقع- للوجدان الجماعي في الإنسان.
هناك عامل أساس خفي لهذا الوجدان، هو في طريقه الآن الى الحياة والظهور، واللّغة والتقاليد القومية أحياناً ليستا إلّا مظهرين لتجلّي تلك الحقيقة. ونحن نريد الآن من تقصّي هذا التحقيق أن نهتدي الطريق من وراء هذه المظاهر الخارجية الى الواقع المكنون خلف هذه الأشياء والظواهر والحوادث.
وقد وصل فرانتس فانون، الكاتب الإفريقي الأخصّائي في دراسة المجتمعات البشرية، والذي بحث كثيراً عن صعيد وعي الإحساس القومي بين الامم والأقوام الإفريقية بحثاً نفسانياً بديعاً، وصل الى هذه النتيجة نفسها؛ وهي: أنّ دور عوامل التاريخ واللّغة والتقاليد والإقليم المشترك في إيجاد الإحساس القومي ليس إلّا دوراً مؤقتاً لا دائماً. وللتدليل على هذه يشير الى تلك الدول التي هي الآن في معترك الكفاح من أجل الاستقلال والتحرّر من الاستعمار، فيقول: نرى في هذه الدول أنّ الأماني الأساسية والأصيلة للإنسان تفرغ في عوامل كالتقاليد والتاريخ واللّغة المشتركة، ولكنّنا نرى أنّ هذه الامم ما ان تصل الى هذه الأهداف- أي في صبيحة استقلالها- حتى تظهر فيها وجوه من المفارقات والمنازعات؛ فنرى أغنياء هذه الأُمة الذين لم يزالوا الى البارحة يضحّون بأنفسهم في سبيل هذا الاستقلال تفترق طرقهم عن فقراء الأُمة: فيسعى ذاك الغني في سبيل الحصول على مقام أمين وموقع سياسي واقتصادي واستثماري على حساب تلك الأتعاب وذلك الحرمان الذي أصابه أيّام