الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١١٩ - النقطة الثانية في النشاط الإسلامي لأبناء الفرس بعد تسرّب الإسلام الى قلوبهم
إنّ ما أبداه الفرس من النشاط للإسلام والعلوم الإسلامية طوال أربعة عشر قرناً من تاريخ الإسلام- وحتى في القرنين الأوّلين اللذين يسميهما «السيرجان ملكم»: «قرنان من الصّمت»!- مما لانظير له لا في المسلمين ولا في الفرس أنفسهم أما في المسلمين فذلك حيث لم تبدِ أيّة أُمّة سوى الفرس مثل ما أبداه هؤلاء من النشاط والحب والتعاطف والخدمة والإخلاص للإسلام؛ وأما في الفرس فحيث لم يبد الفرس على أي عهد وفي أي دور آخر ومن أجل أي هدف آخر ديني أو قومي مثل ما أبدوه من النشاط والخدمة للإسلام.
إنّهم كانوا يستطيعون أن يعيدوا دينهم وتقاليدهم وطقوسهم القديمة بعد استقلالهم السياسي من دون أي مزاحم أو معارض، ولكنّهم لم يفعلوا ذلك، بل أعرضوا عن دينهم الفارسي وأقبلوا على الإسلام أكثر من ذي قبل؛ فلماذا؟! ذلك،
لأنّهم كانوا يرون الإسلام منسجماً مع أفكارهم وعقولهم وميولهم الفطرية؛ ولذلك فهم لم يفكروا أبداً في تجديد دينهم الذي كان يسبّب لهم عذاباً روحياً طوال قرون عديدة. وهكذا بقيت الأُمّة الإيرانية بشهادة التاريخ طوال أربعة عشر قرناً من تاريخ دخول الإسلام الى هذا البلد. وإذا رأيتم أفراداً معدودين معلومي الهوية يتكلمون اليوم عن تجديد الدين والمراسيم الفارسية القديمة في هذه الأيّام أو قبيل هذا، فلاينبغي أن نعدّ هؤلاء على حساب الأُمّة الإيرانية كلّها أو جلّها، إذ أنّ الفرس قد أبدوا وأثبتوا مراراً أنّهم كانوا- ولايزالون- يرون الإسلام أوفق في فكرهم و روحهم من أي فكر أودين آخر؛ والدليل على ذلك هو تلك الخدمات المخلصة التي أسداها هؤلاء طوال أربعة عشر قرناً إلى القرآن والإسلام، خدمات مخلصة مؤمنة.
وسنشرح نحن في الصفحات التالية بياناً- جامعاً تقريباً- عن بعض خدماتهم العظيمة، حتى يعلم الجميع كيف أنّ الأُمّة الفارسية أسلمت بملء قلوبها حيث رأته منسجماً مع عقلها وفكرها، وأنّه يُروي حاجاتها الوجدانية والفطرية.