الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١١٨ - النقطة الثانية في النشاط الإسلامي لأبناء الفرس بعد تسرّب الإسلام الى قلوبهم
بالفكر الزرادشتي الواطئ: متّسعاً وملاذاً. وحينما أسلم الحكام الديالمة وتشيعوا واستولوا على البلاد حتى دخلوا بغداد (٣٣٤ ه-/ ٩٤٥ م) زالت معالم المجوسية من البلاد الفارسية، فقد أسلم آل بويه واختاروا العربية على الفارسية، إذ كان للإسلام والعربية آنذاك صبغة عالمية (لا عربية ضيّقة) في حين كان المجوس قد لجأوا الى مواطن خاصّة بهم. ويبدو أنّ آل بويه كانوا يتصفون أمام سائر المذاهب بالتسامح والتصبّر، إذ كانوا يبقون على الخلفاء السنّة وكثير من عمالهم على أعمالهم كماكانوا من قبل، بل كانوا يبقون ويستعملون عمالًا غير مسلمين فقد كان عامل كازرون- كما ذكرنا من قبل- مجوسياً. وقد كانوا يبدون الحب والتعاطف مع شعائر البيت العلوي (عليهم السلام) والثقافة الإسلامية أكثر من ذلك بالنسبة إلى عظمة الفرس السابقة؛ ومن ذلك: أن عضدُ الدولة مرّ بشيراز (٣٤٤ ه-/ ٩٥٥ م) على (تخت جمشيد/ برسبوليس) فأمر أن يحفر على صخوره كتيبة عربية (بينما كان بإمكانه أن يأمر بحفرها بالفارسية بل وحتى البهلوية).
فما هو السبب الذي كان يدفع بالفرس بعد عدّة قرون من زوال السيادة العربية عنهم الى أن يُبدوا من أنفسهم اتّجاهاً أكثر الى الإسلام؟ وهل يمكن أن يكون ذلك شيء آخر سوى جاذبية الإسلام وإنسجامه مع الروح الفارسية؟!
بل كانت الحكومات الفارسية المستقلة- والتي كانت من حيث السياسة معادية للحكومات العربية- تحافظ على الإسلام وتؤيّده وتنشره وتشجّع علماءه أكثر من الحكومات العربية المسلمة نفسها، وكان الفرس يساعدون العلماء في تصنيف وتأليف الكتب الإسلامية وتعليمها أكثر من غيرهم.