الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ١١٦ - النقطة الثانية في النشاط الإسلامي لأبناء الفرس بعد تسرّب الإسلام الى قلوبهم
فكتب يقول: إنّ المسلمين وسائر الناس كانوا يشاركون المجوس في هذا البلد أفراحهم بعيد النوروز والمهرجان وكانوا يزينون لذلك أسواق البلد. ويقول عن الأديان في خراسان: «هناك يهود كثير و قليل من النصارى وأصناف من المجوس».[١] ويذكر المسعودي في كتابه (التنبيه والإشراف)[٢] عن أُسرة محترمة في اصطخر فارس أنّه كان لهم كتاب جامع في تاريخ عهد الساسانيين، وأنّه استفاد من هذا الكتاب كثيراً، ويذكر في ضمن ذلك اسم المؤبد لمعبد النار الكبير في اصطخر، مما يدل على أنّه كانت له ميزة وشخصية بحاله من أتباع من المجوسية كثيرين. ويعقد في كتابه (مروج الذهب)[٣] باباً بعنوان: «في ذكر الأخبار عن بيوت النيران وغيرها» فيذكر فيه بيوت نيران المجوس، ويذكر من ذلك بيت نار كبير في (داراب جرد) ويقول: «وهذه النار تسمّى في وقتنا هذا- وهو سنة: اثنتين وثلاثين وثلاثمائة-: آذرجوي، وتفسير ذلك: نار النهر، والمجوس تعظّم هذه النار بمالا تعظّم به غيرها من النيران والبيوت».
هذا كله يدلنا على ما قلناه من أنّ الفرس إنّما دخلوا في الإسلام تدريجياً، وأنّ الإسلام إنّما غلب على الزرادشتية تدريجياً وخصوصاً في عهود الاستقلال السياسي. والغريب أنّه كان للزرادشتيين في صدر الإسلام- حيث كان دَور سيادة العرب- حرمة وحرية أكثر من الأدوار المتأخرة التي تملَّك الأمر فيها الفرس أنفسهم، إذ كلّما كان يسلم عدد أكثر من الفرس كان المجوس يقعون موقعاً أقل نسبياً مما كانوا هم عليه من الكرامة، إذ كان المسلمون من الفرس يبدون عصبية على المجوس منهم أكثر من العرب عليهم. والظاهر أنّ هذه العصبيات الفارسية نفسها بين المسلمين
[١] أحسن التقاسيم للمقدسي: ٣٢٣.
[٢] التنبيه والإشراف للمسعودي: ٩١.
[٣] مروج الذهب للمسعودي ٢٥٣: ٢.