الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٤٠٦ - الرواية والحديث
تفرق الصحابة في الأرض وعند كلّ منهم بعض الأحاديث، وقد يتفرد بعضهم بأحاديث لم يسمعها سواه، فاصبح طالب الحديث إذا كان من أهل دمشق مثلًا لايستوفيه إلّا إذا رحل في طلبه إلى مكة والمدينة والبصرة والكوفة والرى ومصر وغيرها. وكذلك المقيم في أحد هذه البلاد فإنّه لايستطيع استيفاء الحديث ما لم يطلبه من البلاد الأُخرى. وهذا ما يعبّرون عنه بالرحلة في طلب العلم»[١].
إنّ شوق المسلمين الى استماع أحاديث النبيّ وضبطها ونقلها بدأ من عهده هو (ص)، وحيث كثر الطلب على حديثه كثر عرضه، وكلما كان كذلك دخل فيه الغلّ والغش، وكذلك كان، فقد روى جمع من ضعفاء الإيمان على عهده أحاديث عنه لا أساس لها من الصحة حتى قام هو (ص) بتكذيبها وتحذير الناس منها ومن أصحابها، فأعلن عن ظهور الكذّابين والوضّاعين عليه أو في أحاديثه، ولكي يجعل لهم مقياساً يقيسون عليه صحة أحاديثه وسقمها عيّن لذلك القرآن الكريم.
ومع أنّ الاهتمام بالاستماع ونقل أحاديث الرسول الكريم (ص) كان مشتركاً بين عامة المسلمين وخاصة أهل البيت (عليهم السلام)، إلّا أنّه كان هناك اختلافٌ أساسيٌّ في القرن الأوّل الهجري بين عامة المسلمين وخاصة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو أنّ عامة المسلمين في هذا القرن تبعاً لأمر الخليفة الثاني وآخرين من الصحابة كرهوا كتابة الحديث لكي لا يختلط الحديث بالقرآن الكريم، أو لئلّا يستقطب الاهتمام بالحديث مكان الاهتمام بالقرآن الكريم. بينما كان أتباع أهل البيت (عليهم السلام) يعتنون بكتابة الأحاديث كما كانوا يعنون بنقلها.
وأمّا عامة المسلمين فقد تنبّهوا للخطأ أوائل القرن الثاني، وكسر هذا السدَّ الذي بناه عمر بن الخطاب، عمرُ بن عبدالعزيز الخليفة الأُموي الزاهد من أسباط الخليفة الثاني. ولهذا فقد تقدّمت شيعة أهل البيت في كتابة وتدوين الحديث قرناً من الزمان.
[١] تاريخ التمدّن الإسلامي ٦٥: ٣، ط الهلال- الأُولى.