الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٨٨ - عوامل التقدّم السريع
ثم ينقل جرجي زيدان قصة رثاء السيّد الشريف الرضيّ لأبي إسحاق الصابئي ويقول: «ولم يمنعه شرفه في الإسلام من هذا الرثاء»! ويدلك ذلك على أنّ التعصّب أو التساهل إنّما يكون مصدرهما من صاحب الأمر والنهي، فإذا كان الأمير معتدلًا أو متعصباً كانت رعيته مثله، ولذلك فقد كان التساهل في عصر النهضة العباسية شاملًا، على الخصوص الخلفاء وأهل الوجاهة والعلم. ولم يكن العالم المسلم يستنكف أن يأخذ العلم عن نصراني، حتى الفارابي الفيلسوف الكبير، فقد أخذ بعض علمه عن أحد نصارى نجران»[١].
... إلّا أنّ هذه النتيجة غير صحيحة عندنا ... فان السيّد الشريف الرضي لم يكن يتبع في فكره وفعله هذا أحداً من الخلفاء بل لم يكن تابعاً للخلفاء إطلاقاً، فهو لم يكن ليتعلم سعة الصدر والنظر من الخلفاء، بل من شريعة الإسلام ومبلّغه واحترامه للعلم والعلماء على أي حال، ولذلك فقد أجاب السيّد من اعترض عليه في ذلك بقوله: «إنّي رثيت علمه لا شخصه»!
والدكتور زرين كوب في كتابه يعدّ روح التسامح وعدم التعصّب في المسلمين عاملًا مهمّاً في سرعة تقدّم المسلمين[٢].
والعامل الآخر المؤثّر في إقبال المسلمين على طلب العلوم هو ترغيب الإسلام الأكيد على ذلك. وجرجي زيدان مع ما فيه من التعصب للمسيحية مما يبدو جليّاً في بعض الموارد و أحياناً يصر على أنّ المسلمين كانوا يخالفون كلّ كتاب سوى القرآن ... مع ذلك نراه يعترف بأنّ ترغيب الإسلام في طلب العلم كان عاملًا مؤثراً في ذلك ... يقول:
«ولما اتسع سلطان المسلمين وفرغوا من إنشاء العلوم الإسلامية- وقد تأيّدت دولتهم و ذهبت عنهم السذاجة والغفلة عن الصناعات، وأخذوا في أسباب الحضارة
[١] تاريخ التمدن الإسلامي: ٣،: ١٨٥.
[٢] بالفارسية: كارنامه إسلام: ١٣- ١٦.