الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٩٥ - قرنان من السكوت!
وإنّما هو خيال من مريض مغرض. بل إنّ الجمال والجاذبية اللفظية والمعنوية للقرآن وتعاليمه العالمية أثرت في جميع المسلمين حتى جعلتهم يرون هذه التحفة السماوية بكل ما فيها من لطف، لهم، وينجذبوا الى لغة القرآن حتى يتناسوا لغتهم الأصلية. وليس هذا خاصاً بالإيرانيين أن ينسوا لغتهم القديمة بعد تعرّفهم على نعمة القرآن السماوية، بل هذا شأن جميع الأُمم التي اعتنقت الإسلام. وقد قلنا مراراً: إنه لولا مساعي العباسيين بما كانت لهم من سياسة مناواة العرب، لما كانت توجد هذه اللّغة الفارسية المعاصرة المختلفة عن الفارسية قبل الإسلام، إذ هم أكثر من حثّهم وحرّضهم على تكوين هذه اللّغة، إذ كانوا يكرهون أن تشيع اللّغة العربية في الإيرانيّين!
كان بنو العبّاس يؤيّدون الشّعوبيين الذين كانوا يضادون العرب ويؤلفون الكتب في مطاعنهم ومثالبهم! هذا (علان الشعوبي) كتب كتاباً في مساوئ العرب وصفاتهم الذميمة في حين كان موظفاً رسمياً لهارون الرشيد والمأمون يستنسخ الكتب لهم من بيت الحكمة ببغداد ويأخذ أجراً لذلك، بينما كان مديرها سهل بن هارون الشعوبي الشديد ضد العرب والذي كتب كتاباً ضدّهم[١] وقد قلنا بشأن اللّغة الفارسية سابقاً: إنّ المأمون هو أوّل من أعطى الجائزة لشاعر فارسي تشويقاً له!
أجل كان ذلكسبباً في سكوت الإيرانيّين عن الفارسية القديمة، وهذا هو السبب في شيوع الفارسية الثانوية (الدرّية الخراسانية). وليس ذلك مما نأسف له بل نشكر الله عليه، فلكل لغة لطف وظرافة وجمال خاص، واللّغة الفارسية هذه قد قدّمت- ببركة لطفها و جمالها الخاص، وبفضل همّة وإيمان الإيرانيّين الفارسيين- خدمات جلّى للإسلام.
ويجنّب إدوارد براون نفسه عن أغراض أمثال السيرجان ملكم ويقول منصفاً:
[١] تاريخ التمدّن الإسلامي ٢٢٩: ٣ ط. د حسين مؤنس.