الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٩٤ - قرنان من السكوت!
ونقول: أفهل كان أحد قد أكرههم على أن يخلقوا آثارهم الرائعة باللغة العربية؟! و هل من الممكن أن يخلق أحد أثراً رائعاً بالضغط والإجبار؟! وهل هذا من العار على الإيرانيّين أنّهم بعد أن تعرفوا على لغة وجدوا فيها المعجزة الإلهية ولم يروها متعلقة بأيّ قوم بل وجدوها لغة كتاب اعتقدوا به وأيّدوه؟ وبعد مضيّ ثلاثة قرون على إمتزاج كلمات ومعاني هذه اللّغة بلغتهم الإيرانية القديمة. هل من العار عليهم بعد هذا أنّهم صنعوا هذه اللّغة الفارسية المعاصرة من مزيج اللغتين؟!
قالوا: «كانت لغة هذه القومية (الإيرانيّين قبل الإسلام) لغة قوم يتمتّعون بقدر كافٍ من الأدب والثقافة والعلوم والمعارف (!) فياترى ماذا سمعوا عندما قابلوا العرب المسلمين حتى اخرسّوا بعد أن كانوا ينطقون بمائة لغة»؟!
طرح هذا السؤال الدكتور زرّين كوب، وأجاب على نفسه يقول: «إنّ اللّغة العربية كانت قبل هذا لغة قوم نصف وحشيّين ولم يكن لها أيّ لطف أو ظرافة، ومع ذلك نرى أنّه لما دوّى صوت الأذان في فضاء ملك إيران، انطفأت شعلة اللّغة الفهلوية أمامه. إنّ الذي أخرس لسان الإيرانيّين في هذه الحادثة هو عظمة الرسالة الجديدة وموافقتها الفطرة الإنسانية، وكانت هذه الرسالة الجديدة هي القرآن الذي كان قد أخرس خطباء العرب بإعجاز بيانه وعمق معناه البليغ. إذاً فليس عجباً أن تخرس هذه الرسالة العجيبة الجديدة ألسن الخطباء في إيران أيضاً وتحيّر عقولهم! الحقيقة أنّ أُولئك الإيرانيّين الذين كانوا قد اعتنقوا هذا الدين بطيب خاطرهم كانوا يجدون في هذا الدين الإسلامي الجديد حرارة وشوقاً فائقاً يخلبهم ألبابهم بحيث لم يكونوا ليضيعوا أوقاتهم بعد ذلك في الشعر والنثر بلغتهم القديمة»[١].
ليس بأيدينا أي سند على أن يكون الخلفاء الأُمويون قد أجبروا الإيرانيّين على ترك لغتهم الأصلية (بل لغاتهم الأصلية؛ إذ لم تكن في إيران لغة واحدة، بل كان لكلّ منطقة لغة خاصة بها) وما قيل بهذا الصدد لا يستند الى أي سند من التاريخ
[١] بالفارسية: دو قرن سكوت: ١٠٧- ١٠٨.