الإسلام و إيران، عطاء و امتنان - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٩٣ - قرنان من السكوت!
كي يقتل هذه المائة والعشرين ألفاً أيضاً بيده القديرة! إذاً حقّ لنا أنّ نسمّي القرنين الأولين في إيران قرني السكون والسكوت، إذ حينما نقيس هذين القرنين بالأدوار الأُخرى نرى أنّ الشيء الوحيد الذي يؤسف له هو أن يضرب المثل في هذين القرنين باسم حكام أمثال الحجاج العربي دون أبي مسلم الخراساني!
أمّا إذا نظرنا الى الأُمّة الإيرانية، الى أبناء الحذّائين والحرفيين، أُولئك الذين قام من بيهم أمثال سيبويه وأبي عبيدة وأبي حنيفة وال نوبخت وبني شاكر ومئات أمثالهم، الذين تفتّحت استعداداتهم واستطاعوا أن يشاركوا في حلبة مسابقة ثقافية حرة يحوزوا فيها قصب السبق على الآخرين، ويصبحوا لأوّل مرة في تاريخ إيران أئمّة أدب وعلم ودين لسائر الأُمم، ويخلّدوا من أنفسهم آثاراً باقية، ويقرنوا أسماءهم وترابهم بالعزة والفخر الخالد ... كان هذان القرنان قرني الحركة والكلام والنشاط والثورة الإسلامية الشعبية.
في هذين القرنين تعرف الإيرانيون على أيديولوجية عالمية إنسانية لا عنصرية، فتقبّلوا حقائقها على أنها حقائق سماوية إلهية تفوق كلّ زمان ومكان، وتعلموا لغتها على أنها لغة إسلامية عالمية لاترتبط بخصوص قوم بل هي لغة مدرسة ودين، فتعلموها كأنّها لغتهم، بل قدموها على لغتهم القومية والعنصرية الخاصة.
فوا عجباً من هؤلاء إذ يقولون: «إنّ اللسان الإيراني كان قد أُخرس في هذين القرنين ولم يكن ينطق بكلامه إلّا على لسان السيف»!
أنا لا أفهم حقيقة معنى هذا الكلام! أليست اللّغة العلمية لغةً حرة؟ وأليست اللّغة الأدبية لغةً حرة؟! أفلم يؤلف سيبويه الفارسي الشيرازي في غضون هذين القرنين كتابه الأدبي الفذّ الذي يُعدّ موازناً لكتاب المجسطي لبطليموس والمنطق لأرسطو في فنّهما؟! وأليس كتاب «أدب الكاتب» لابن قتيبة من حصيلة هذين القرنين؟! أفليس خلق الآثار الأدبية الراقية من اللّغة؟! إنّهم يقولون: هذه كلها بلغة عربية.