نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٥٠
من الوضوح و قوّة العلم و نفي الشبهة ما ليس لغيره من وجوه الاستدلالات، و للنّبي عليه السّلام أن يسأل ربّه تخفيف محنته و تسهيل تكليفه.
و الّذي يبيّن صحة ما ذكرناه قوله تعالى: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلىََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. فقد أجاب إبراهيم بمعنى جوابنا بعينه، لأنّه بيّن أنّه لم يسأل ذلك لشكّ فيه و فقد إيمان به، و إنّما أراد الطمأنينة، و هي ما أشرنا إليه من سكون النفس و إنتفاء الخواطر و الوساوس و البعد عن إعتراض الشبهة.
و وجه آخر: و هو أنّه قد قيل: انّ اللّه تعالى لمّا بشّر إبراهيم عليه السّلام بخلّته و اصطفائه و اجتبائه، سأل اللّه تعالى أن يريه إحياء الموتى ليطمئنّ قلبه بالخلّة؛ لأنّ الأنبياء عليهم السّلام لا يعلمون صحة ما تضمّنه الوحي إلاّ بالاستدلال، فسأل إحياء الموتى لهذا الوجه لا للشكّ في قدرة اللّه تعالى على ذلك.
و وجه آخر: و هو أن نمرود بن كنعان لمّا قال لإبراهيم عليه السّلام: إنّك تزعم أنّ ربّك يحيي الموتى، و أنّه قد قال: أرسلك إليّ لتدعوني إلى عبادته، فاسأله أن يحيي لنا ميتا إن كان على ذلك قادرا، فإن لم يفعل قتلتك. قال إبراهيم عليه السّلام:
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتىََ فيكون معنى قوله: وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على هذا الوجه، أي لآمن من القتل و يطمئنّ قلبي بزوال الروع و الخوف. و هذا الوجه الّذي ذكرناه و إن لم يكن مرويا على هذا الوجه فهو مجوّز، و إن جاز صلح أن يكون وجها في تأويل الآية مستأنفا متابعا.
و وجه آخر: و هو أنّه يجوز أن يكون إبراهيم إنّما سأل إحياء الموتى لقومه ليزول شكّهم في ذلك و شبهتهم. و يجري مجرى سؤال موسى عليه السّلام الرؤية لقومه، ليصدر منه تعالى الجواب على وجه يزيل منه شبهتهم في جواز الرؤية عليه تعالى، و يكون قوله: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على هذا الوجه، معناه أنّ نفسي تسكن إلى زوال شكّهم و شبهتهم، أو ليطمئنّ قلبي إلى إجابتك إياي فيما أسألك فيه. و كل هذا جائز، و ليس في الظاهر ما يمنع منه؛ لأنّ قوله: وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ما تعلّق في ظاهر الآية بأمر لا يسوغ العدول عنه مع التمسّك بالظاهر، ـ