نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٥٢
و قال قوم: إنّ معنى صرهنّ أي قطّعهنّ و فرّقهنّ، و استشهدوا بقول توبة بن الحميّر:
فلمّا جذبت الحبل لطّت نسوعه # بأطراف عيدان شديد أسورها
فأدنت لي الأسباب حتّى بلغتها # بنهضي و قد كاد ارتقائي يصورها
و قال الآخر:
يقولون إنّ الشّام يقتل أهله # فمن لي إن لم آته بخلود
تغرّب آبائي فهلاّ صراهم # من الموت إن لم يذهبوا و جدودي
أراد: قطعهم. و الأصل صرى يصري صريا، من قولهم: يأت يصري في حوضه إذا استسقى ثمّ قطع، و الأصل صرى، فقدّمت اللام و أخّرت العين. هذا قول الكوفيّين، و أمّا البصريّون فإنّهم يقولون: إنّ صار يصير، و يصور بمعنى واحد، أي قطع. و يستشهدون بالأبيات الّتي تقدّمت، و بقول الخنساء:
«فظلّت الشمّ منها و هي تنصار» [١]
و على هذا الوجه لا بدّ في الكلام من تقديم و تأخير، و يكون التقدير: فخذ أربعة من الطير إليك فصرهنّ أي قطّعهنّ. فإليك من صلة «خذ» ؛ لأنّ التقطيع لا يعدّى بإلى.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً و هل أمره بدعائهنّ و هنّ أحياء أو أموات؟و على كلّ حال فدعاؤهنّ قبيح؛ لأنّ أمر البهائم الّتي لا تعقل و لا تفهم قبيح. و كذلك أمرهنّ و هنّ أعضاء متفرّقة أظهر في القبح.
قلنا: لم يرد ذلك إلاّ حال الحياة دون التفرّق و التمزّق، فأراد بالدعاء الإشارة إلى تلك الطيور، فإنّ الانسان قد يشير إلى البهيمة بالمجيء أو الذهاب
[١] في حاشية اللسان (صور) : في العباب و نسبه إلى الخنساء بنت زهير بن أبي سلمى و روايته فيه:
فلو يلاقى الذى لاقيته حضن # لظلت الشم منه و هى تنصار
ج ٧: ص ٤٣٨.