نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥١٠
إلاّ وجوب القسم الأخير و هو التمتع الذي ذهبنا إليه، فإن قيل: قد نهى عن هذه المتعة مع متعة النساء عمر بن الخطاب و أمسكت الأمة عنه راضية بقوله [١] .
قلنا: نهي من ليس بمعصوم عن الفعل لا يدلّ على قبحه، و الامساك عن النكير لا يدلّ عند أحد من العلماء على الرضا إلاّ بعد أن يعلم أنّه لا وجه له إلاّ الرضا، و قد بيّنا ذلك و بسطناه في كثير من كتبنا.
و بعد فان الفقهاء و المحصّلين من مخالفينا حملوا نهي عمر عن هذه المتعة على وجه الاستحباب لا على الحظر، و قالوا في كتبهم المعروفة المخصوصة بأحكام القرآن: إنّ نهي عمر يحتمل أن يكون لوجوه: منها: أنّه أراد أن يكون الحج في أشهر المخصوصة به و العمرة في غير تلك الشهور. و منها: أنّه أحب عمارة البيت و أن يكثر زوّاره في غير الموسم. و منها: أنّه أراد إدخال المرفق على أهل الحرم بدخول الناس إليهم.
و رووا في تقوية هذه المعاني أخبارا موجودة في كتبهم لا معنى للتطويل بذكرها، و فيهم من حمل نهي عمر عن المتعة على فسخ الحج إذا طاف له قبل يوم النحر.
و قد روي عن ابن عباس رحمه اللّه عليه أنّه كان يذهب إلى جواز ذلك [٢] و أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم كان أمر أصحابه في حجّة الوداع بفسخ الحج من كان منهم لم يسق هديا و لم يحل هو عليه السّلام؛ لأنّه كان ساق الهدي [٣] ، و زعموا أنّ ذلك منسوخ بقوله تعالى: وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلََّهِ و هذا التأويل الثاني بعيد من الصواب؛ لأنّ فسخ الحجّ لا يسمّى متعة، و قد صارت هذه اللفظة بعرف الشرع مخصوصة بمن ذكرنا حاله و صفته.
و أمّا التأويل الأوّل فيبطله قوله: أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما، و تشدده في ذلك و توعّده يقتضي أن لا يكون القول خرج مخرج الاستحباب، على أنّ
[١] موطأ مالك، ١: ٣٤٤.
[٢] المغني (لابن قدامة) ، ٧: ٥٧٢.
[٣] صحيح البخاري، ٢: ١٧٧.