نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١١٢ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
في قولهم: أطمتك تمرا أو أحلى منه، لأن أحلى منه معلوم» [١] . لكن المرتضى يرفض هذا القول، و يرى أنه ليس بشيء، لأنهم و إن لم يشاهدوا أو يعرفوا ما هو أشدّ قسوه من الحجارة فصورة قسوة الحجارة معلومة لهم «و يصحّ أن يتصوّروا ما هو أشدّ قسوة منها، و ما له الزيادة عليها، لأن قدرا ما إذا عرف صحّ أن يعرف ما هو أزيد منه أو أنقص، لأنّ الزيادة و النقصان إنّما يضافان إلى معلوم معروف، على أن الآية خرجت مخرج المثل، و أراد تعالى بوصف قلوبهم بالزيادة في القسوة على الحجارة أنها قد انتهت إلى حدّ لا تلين معه للخير...
فصارت من هذا الوجه كأنها أشدّ قسوة منها تمثيلا و تشبيها» [٢] .
و لا شكّ أن هذا الكلام يتوافر فيه عنصر الاقناع و الاقتناع، و هو يدلّ على عمق ثقافة المرتضى، و فهمه لأساليب العرب، إذ لا يستطيع الخوض في هذا المضمار إلاّ من أوتى حظّا وافرا من سعة اللغة و معرفة بأساليبها، و قد عرف المرتضى باتساعه بهذا الجانب، و له تأمّلات طويلة في نصوص شعرية، كشف ما غمض من لغتها [٣] ، و لولا إطّلاعه الواسع على الشعر و اللغة لما استطاع أن يفسّر الرموز اللغوية و يتعرف على مختلف معانيها، و هنا نلحظ أن النزعة العقلية لا تفترق عند المرتضى عن الشاهد الشعري، فهو يحتج بالشاهد الشعري، و في الوقت نفسه «يقيم ردّه على أسّس قوية من الأدلّة المنطقية، و البراهين العقليّة الّتي تؤيّدها الحقيقة، و يقربها الواقع» [٤] ، و هذه من السمات الّتي طبعت اسلوبه و تميّز بها منهجه، فالرجل كان عالما متمكّنا من علوم العربية، واسع الإطّلاع، قوي الحجّة.
و قد يأتي بالشاهد الشعري ليوضح ظاهرة نحوية خاصّة بالتعبير القرآني، كما
[١] نفسه، ٢: ٥٨.
[٢] أمالي المرتضى، ٢: ٥٨-٥٩.
[٣] ينظر أمالي المرتضى في كثير من مواضعه، و طيف الخيال في أغلب مواضعه، و الشهاب في الشيب و الشباب في أغلب مواضعه، و شرح القصيدة الذهبية.
و ينظر أقوال المحدثين: مقدّمة طيف الخيار: ٢١، الشعراء العبّاسيون نقّادا، منعم سالم الموسوي: ١٩٦، و الرؤية النقدية عند الشريف المرتضى: ٤٦، (بحث) .
[٤] رسالة طيف (لبهاء الدين الأربلي) ، مقدّمة المحقّق: ٣٤.