نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٨ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
هـ) يرجح قراءة الرفع و يحتجّ لها بقوله تعالى: وَ لَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهََا [١] ، و في هذا يقول: «و يقوى رفعه، رفع «البرّ» الثاني، الّذي معه الباء إجماعا في قوله: وَ لَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا و لا يجوز فيه إلاّ رفع «البرّ» فحمل الأوّل على الثاني أولى من مخالفته» [٢] .
و وقف المرتضى عند قوله تعالى: إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ [٣] ، و في بيانه لدلالة الآية يذكر المرتضى أن اللّه سبحانه و تعالى إنّما أراد نفي تكذيبهم بقلوبهم تدينا و اعتقادا، و إن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب، لأنه قد كان في المخالفين له عليه السّلام من يعلم صدقه، و هو مع ذلك معاند، فيظهر خلاف ما يبطن [٤] . ثمّ يشير إلى قراءة الكسائي بقوله: و كان الكسائي يقرأ: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف و نافع من بين سائر السبعة، و الباقون على التشديد؛ و يزعم أن بين أكذبه و كذبه فرقا، و أن معنى أكذب الرجل، أنه جاء بكذب، و معنى كذبته أنه كذّاب في كلّ حديثه، و هذا غلط، و ليس بين «فعلت» و «أفعلت» في هذه الكلمة فرق من طريق المعنى أكثر ممّا ذكرناه من أن التشديد يقتضي التكرار و التأكيد... » [٥] .
فالمرتضى-هنا-لا يرد قراءة فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف، أي سكون الكاف و تخفيف الذال، و لكنّه يرفض توجيه الكسائي لها، و لا يرى فرقا بين القراءتين أكثر من كون قراءة التشديد فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ بفتح الكاف و تشديد الذال، تقتضي التكرار و التأكيد. و لعلّ قول الكسائي أن بين أكذبه و كذبه فرقا هو الأقرب إلى الواقع اللغوي، لأنّه لو لم يختلف المعنى لم تختلف الصيغة، إذ كلّ عدول عن صيغة إلى أخرى لا بدّ أن يصحبه عدول عن معنى إلى آخر إلاّ إذا كان
[١] سورة البقرة، الآية: ١٨٩.
[٢] الكشف عن وجوه القراءات، ١: ٢٨١، و ينظر التبيان في إعراب القرآن، ١: ١٤٣.
[٣] سورة الأنعام، الآية: ٣٣.
[٤] ينظر أمالي المرتضى، ٢: ٢٦٤.
[٥] أمالي المرتضى، ٢: ٢٦٧، و ينظر الروضة في القراءات الاحدى عشرة: ٥٢١، و الكشّاف، ٢: ١٤، و النشر في القراءات العشر، ٢: -٢٥٧: ٢٥٨ و اتحاف فضلاء البشر: ٢٠٧.