نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٤٩
المشرق و يصرفها كيف يشاء. فإن ادّعيت أنت القادر على ما يقدر الربّ عليه فائت بالشمس من المغرب كما يأتي هو بها من المشرق، فإذا عجزت عن ذلك علمنا أنّك عاجز عن الحياة و الموت و مدّع فيهما ما لا أصل له.
فإن قيل: فلو قال له في جواب هذا الكلام: و ربّك لا يقدر أن يأتي بالشمس من المغرب، فكيف تلزمني أن آتي بها من المغرب؟
قلنا: لو قال له ذلك لكان إبراهيم عليه السّلام يدعو اللّه أن يأتي بالشمس من المغرب فيجيبه إلى ذلك، و إن كان معجزا خارقا للعادة. و لعلّ الخصم إنّما عدل عن أن يقول له ذلك علما بأنه إذا سأل اللّه تعالى فيه أجابه إليه [١] .
- رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتىََ قََالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلىََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قََالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ اَلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلىََ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٦٠].
[فان قيل: ما معنى هذه الآية]أو ليس هذا الكلام و الطلب من إبراهيم عليه السّلام يدلاّن على أنّه لم يكن موقنا بأنّ اللّه تعالى يحيي الموتى؟و كيف يكون نبيا من يشكّ في ذلك؟أو ليس قد روى المفسّرون أنّ إبراهيم عليه السّلام مرّ بحوت نصفه في البرّ و نصفه في البحر، و دوابّ البرّ و البحر تأكل منه، فأخطر الشيطان بباله استبعاد رجوع ذلك حيا مؤلّفا، مع تفرّق أجزائه و انقسام أعضائه في بطون حيوان البرّ و البحر؟فشكّ، فسأل اللّه تعالى ما تضمّنته الآية، و روى أبو هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال: نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم عليه السّلام.
الجواب: قيل له: ليس في الآية دلالة على شكّ إبراهيم في إحياء الموتى، و قد يجوز أن يكون عليه السّلام إنّما سأل اللّه تعالى ذلك ليعلمه على وجه يبعد عن الشبهة، و لا يعترض فيه شكّ و لا ارتياب، و إن كان من قبل قد علمه على وجه للشبهة فيه مجال، و نحن نعلم أنّ في مشاهدة ما شاهده إبراهيم من كون الطير حيّا ثمّ تفرّقه و تقطّعه و تباين أجزائه ثمّ رجوعه حيّا كما كان في الحال الأولى،
[١] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ٤٨.