نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٣٢
و الظاهر لكان يجب انقضاء عدّة المطلقة بأن يمضي عليها ثلاثة أقراء من الحيض و الطهر معا؛ لوقوع الاسم على الأمرين، غير أنّ الأمّة أجمعت على أنّها لا تنقضي إلاّ بمرور ثلاثة أقراء من أحد الجنسين، إما من الطهر أو الحيض، و إذا ثبت ذلك و كانت الأطهار التي نعتبرها تسبق ما يعتبره أبو حنيفة و أصحابه؛ لأنّه إذا طلّقها-و هي طاهرة-انقضت عدّتها عندنا، و عند الشافعي بدخولها في الحيضة الثالثة، و عندهم تنقضي بانقضاء الحيضة الثالثة، و إذا سبق ما نعتبره لما يعتبرونه، و الاسم يتناوله وجب إنقضاء العدة به.
فأمّا الشافعي و إن وافقنا في هذه الجملة فقولنا: إنّما كان أولى من قوله؛ لأنّه يذهب إلى أنّ أقلّ الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوما و ذلك عندنا باطل، فلهذا الوجه اختلف قولنا فيما تنقضي به العدّة.
فإن قيل: قد ذهب بعض أهل اللغة [١] إلى أنّ القرء مشتق من الجمع من قولهم: قريت الماء في الحوض إذا جمعته، و قرأته أيضا بالهمز، و ذهب آخرون [٢] إلى أنّ المراد به الوقت، و استشهدوا بقول أهل اللغة: اقرأ الأمر إذا حان وقته، فان كان الأصل الجمع فالحيض أحقّ به؛ لأنّ معنى الاجتماع لا يوجد إلاّ في الحيض دون الطهر، و إن كان الأصل الوقت فالحيض أيضا أحقّ به؛ لأنّ الوقت إنّما يكون وقتا لما يتجدّد و يحدث، و الحيض هو الذي يتجدّد و الطهر ليس بمتجدّد بل هو الأصل و معناه عدم الحيض.
فالجواب: أنّ أهل اللغة قد نصّوا على أنّ القرء من الأسماء المشتركة بين الطهر و الحيض، و أنّها من الألفاظ الواقعة على الضدّين، و من لا يعرف ذلك لا يكلّم فيما طريقه اللغة، و هذا القدر كاف في بطلان السؤال.
و ممّا قيل: انّ معنى الاجماع حاصل في حال الطهر؛ لأنّ الدم يجتمع في حال الطهر و يرسله الرحم في زمان الحيض، فأمّا الوقت فقد يكون للطهر و الحيض معا، و ليس أحدهما بالوقت أخصّ من الآخر.
[١] النهاية (لابن أثير) ، ٣٠: ٤.
[٢] أحكام القرآن، ١: ٣٦٤.